تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التجديد والتجدد والمجددون

(تابع لما سبق)

القضية الأولى

في حقيقة معنى القديم والجديد، والتجدد والتجديد،

والتفاضل بين الطريف والتليد

الخلق كله جديد وإنما القديم المطلق هو الله عز وجل، والجدة والقدم في

المخلوقات نسبيان، فكل قديم منها كان جديدا، وكل جديد سيصير قديما، ومن

الأمثال العامية بل العامة: (من ليس له قديم فليس له جديد) ويا له من مثل حكيم

يفهم منه العلماء ما لا تصل إليه مدارك الدهماء.

والتجدد والتجديد في الكون من السنن الإلهية العامة التي هي مصدر النظام

في تكويننا، والتغير والتحول في أطوار وجودنا، وعملها فيها عين عملها في آبائنا

وجدودنا ﴿فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا﴾ (فاطر: 43)

فنحن في معمل الكون الأعظم كالماء في معمل الجليد، كل آن في تجدد وتجديد،

تارة يكون مائعا سائلا، وتارة يكون بخارا طائرا، وتارة يكون جليدا جامدا، وهكذا

عالم المادة كله، تجدد طبيعي فطري، وتجديد صناعي كسبي، تحليل وتركيب،

جمع وتفريق، هدم وبناء، نماء وفناء؛ وإنما يجري ذلك كله في مادة موجودة،

ذات عناصر معدودة، قديمة في الخلق لا جديدة، ذات قوى محدودة، تصرفها قدرة

غيبية معقولة لا مشهودة، وهي قدرة الخالق الحكيم عز وجل، فالتجدد والتجديد

إنما هو في الصور والأعراض، لا في إيجاد الجواهر والمواد. ويؤثر عن نبي الله

سليمان عليه السلام أنه قال: (لا جديد تحت الشمس) وهو صحيح ظاهر بهذا

المعنى، ويقابله مقابلة التضاد قول بعض حكمائنا: إن العرض لا يبقى زمانين،

فعلى هذا يصح أن يقال: لا قديم تحت الشمس، ولا تعارض بين القولين، ولا

تناقض بين القضيتين؛ فإن كل ما تحت الشمس قديم باعتبار وجديد باعتبار آخر.

وقد كنت قلت في مقدمة محاضرة في الجمع بين الذكران والإناث في مقاعد

التعليم ما يصح أن يقال هنا على أنه مقصد لا مقدمة وهو:

(التجديد سنة من سنن الاجتماع، كما أن التجدد من مقتضى الفطرة والطباع،

ومثلهما مقابلهما من المحافظة على القديم، ولكل منهما موضع، فلا تناقض بينهما

ولا تضاد، إذا وضع كل منهما في موضعه بغير تفريط ولا إفراط) .

(من التجدد في نظام الفطرة أن كل أحد يخالف خلق والديه وأخلاقهما بعض

المخالفة، ولولا ذلك لم يكن ما نرى من التفاوت العظيم بين البشر، ومن حفظ

الأصل ما لا يجهل من إرثه لهما وشبهه بهما في بعض صفاتها الجسدية والنفسية،

ولولا ذلك لوقع من التباين بين أفراد الناس ما يكاد يكون به كل منهم نوعا مستقلا

بنفسه) .

(ومن حفظ القديم في الأعمال وراء سنة الوراثة ما تقتضيه غريزة التقليد

من محاكاة الإنسان لمن يعيش بينهم من أول سن التمييز إلى نهاية أجل الشيخوخة،

ثم تقليد الجماهير لمن يرونهم أوسع منهم علما، أو أعلى مكانة وقدرا، ولولا هذا لما

تكونت البيوت والفصائل، والشعوب والقبائل، بما يربط بعضها ببعض من

المشاركات في الأعمال التي تطبع في الأنفس ملكات الأخلاق والعادات، فتكون

رابطة الوحدة، التي تجتمع بها وشائج الكثرة، فتكون بها الفصائل قبيلة والبيوت

أمة) .

(ومن التجديد في الأعمال البشرية ما تهدي إليه غريزة الاستقلال المقابلة

لغريزة التقليد، والميل إلى الاستنباط والاختراع، ولولاه لكانت جماعات البشر

كأسراب الطير، ومساكنهم لا ترتقي عن خلايا النحل وقرى النمل) .

أنواع التجديد والحاجة إليها:

التجديد الاجتماعي والسياسي والمدني والديني كل منها حاجة من حاج

الجماعات البشرية بمقتضى غرائزها واستعداد نوعها به يرتقون في مدارج العمران

ويصعدون في معارج العلم والعرفان، حتى أن الدين الإلهي الذي يستند إلى وحي

الرب الحكيم بمحض فضله، لبعض من أعد أرواحهم القدسية لذلك من أصفياء خلقه -

قد سار مع غرائز الجماعات البشرية في ترقيها من طور إلى طور حتى أكمله

تعالى لهم بالإسلام، عندما وصل مجموعهم إلى سن الرشد والاستقلال.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٩