تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسرفا في الترف مفنقا في التنعم، وقد أوتي من الحظ المعنوي بأدبه وشعره ما لم

يؤت أديب في مصر في عصره غير أحمد شوقي بك إذ كان شاعر الأمير فصار

يدعى أمير الشعراء، ولعله لو نشأ في حجر الترف ونعمة العيش كشوقي لما كان

له من نفسه ما يبعثه إلى النبوغ في الأدب النافع، فأكثر حكماء الأدباء وحكماء

العلماء وأصحاب الأفكار الإصلاحية الناضجة كانوا من أهل التقشف والبؤس في

بدايتهم، إما اضطرارا وإما اختيارا كالذين سلكوا الرياضة الصوفية، ومن أمثال

الصوفية: من لم تكن له بداية محرقة، لا تكون له نهاية مشرقة.

وقد أشار شيخنا الأستاذ الإمام إلى هذا المعنى في بؤس حافظ فيما قرظ له به

الجزء الأول من ترجمة كتاب البؤساء فقد قدمه إليه حافظ وتوجه باسمه بكتاب

خاطبه به فرد عليه بجواب جعلهما حافظ في مقدمة الكتاب، وإنا ننشرهما هنا؛

فإنهما خير ما ينشر في ترجمة صديقنا الأديب رحمه الله تعالى:

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

خطاب حافظ للأستاذ الإمام

في رفع كتاب البؤساء إليه

إلى الأستاذ الإمام:

إنك موئل البائس ومرجع اليائس، وهذا الكتاب - أيدك الله - قد ألم بعيش

البائسين، وحياة اليائسين، وضعه صاحبه تذكرة لولاة الأمور، وسماه كتاب

(البؤساء) وجعله بيتا لهذه الكلمة الجامعة، وتلك الحكمة البالغة (الرحمة فوق

العدل) وقد عنيت بتعريبه، لما بين عيشي وعيش أولئك البؤساء من صلة النسب،

وتصرفت فيه بعض التصرف، واختصرت بعض الاختصار، ورأيت أن أرفعه إلى

مقامك الأسنى، ورأيك الأعلى، لأجمع في ذلك بين خلال ثلاث أولها: التيمن باسمك

والتشرف بالانتماء إليك، وثانيها: ارتياح النفس وسرور اليراع برفع ذلك الكتاب إلى

الرجل الذي يعرف مهر الكلام، ومقدار كد الأفهام، وثالثها: امتداد الصلة بين الحكمة

الغربية والحكمة الشرقية بإهداء ما وضعه حكيم المغرب إلى حكيم المشرق.

فليتقدم سيدي إلى فتاه بقبوله، والله المسئول أن يحفظه للدنيا والدين، وأن

يساعدني على إتمام تعريبه للقارئين ... اه.

قدم محمد حافظ هذا الكتاب إلى الأستاذ الإمام ونحن جلوس معه في حديقة داره

بعين شمس مساء يوم من الأيام، فأخذه منه بعد أن قرأه علينا وعليه ودخل الدار

فمكث فيها قليلا، ثم عاد إلينا وقال: إنني عصرت دماغي على ما به من جفاف

الكلال فخرج منه هذه الكلمات، وأعطى حافظا ورقة قرأ فيها:

تقريظ كتاب البؤساء للأستاذ الإمام

لو كان بي أن أشكرك لظن بنا بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا

أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك ويجري

في الشكر إلى الغاية مما يطلبه فضلك؛ لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به

من حولنا، وبسطته على القريب والبعيد من أبناء لغتنا.

زففت إلى أهل اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية، سحرت قومها،

وملكت فيهم يومها، ولا تزال تنبه منهم خامدا، وتهز فيهم جامدا، بل لا تنفك

تحيي من قلوبهم ما أماتته القسوة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة

أفاضها الله على رجل منهم، فهدى إلى التقاطها رجلا منا، فجردها من ثوبها

الغريب، وكساها حلة من نسج الأديب، وجلاها للناظر، وحلالها للطالب، بعدما

أصلح من خلقها، وزان من معارفها [1] ، حتى ظهرت محببة إلى القلوب، شيقة

إلى مؤانسة البصائر، تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن

العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي في النفس مكان الإلهام.

حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجم مبلغك، فوقف العجز بأغلبهم

عند مبتدأ الطريق، ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده؛ ولكنه لم يعن بأن

يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها، ويرد إليها ما سلبه المعتدون عليها من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٨٠