شوال - 1350ه
فبراير - 1932م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المنار وتفسيره
أعجزتنا العسرة الحاضرة الخانقة عن إصدار المنار في كل شهر من هذه السنة
وعن الاستمرار في تأليف التفسير وطبعه، وقد استنجدنا المشتركين فلم ينجدنا إلا
أفراد قليلون، دفع بعضهم المتأخر عن عدة سنين تاما، وبعضهم النصف اغتناما
لفرصة الأربعة الأشهر التي وعدنا فيها بقبول النصف، وكل هذه النجدة لم تبلغ ما
ننفقه على البريد وحده وقد ضاعفته الحكومة، فمن كان منهم ذا عسرة تعجزه عن
الوفاء فإننا ننظره إلى ميسرة كما أمرنا الله، ومن دخل في حديث (مطل الغني ظلم)
فنقاضيه إلى عدل العليم بالظالمين.
واضطرنا حسبان وزارة المعارف وبعض الحكومات الأوربية الاشتراك في
المنار بالسنين الميلادية إلى جعل سنته شمسية موافقة للحساب الميلادي، فجعلنا هذا
الجزء وهو الثاني من المجلد (32) لشهر فبراير، وسيكون صدور المنار كذلك
مطردا في كل سنة شمسية عشرة أجزاء، وسنعود إلى نشر التفسير فيها إن شاء الله
تعالى.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
خاتمة تاريخ الأستاذ الإمام
فيما يجب له على الأمة
أنبتت تربة مصر ألوفا كثيرة من العلماء والصلحاء والأدباء والقضاة والحكام
ولكننا لا نعرف في تاريخها ذكرا لرجل جمع من فضائل العلم والعمل والصلاح
والإصلاح مثل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في مواهبه الفطرية والكسبية
وكمالاته الشخصية، وفي صرف حياته العملية إلى إصلاح بلاده ووطنه، وترقية
أمته، وإعلاء شأن ملته، بدون عمل ما لنفسه وأسرته، فهو قد خرج من معاهد
العلم إلى ميدان الجهاد في هذه السبيل - سبيل الله تعالى - إلى أن قضى في المعارك
نحبه ولقي ربه، شهد له بذلك العلماء الأفذاذ على اختلاف علومهم الدينية والدنيوية
والعصرية، واختلاف أوطانهم ومللهم، وترى سيرته الشارحة لهذا مفصلة في هذا
الجزء من تاريخه، وترى الشواهد عليها من كلامه ماثلة في الجزء الثاني له،
والشهادات له فيها متواترة في الجزء الثالث منه.
مثل هذا الرجل العظيم يجب أن يكون مثلا كاملا يقتدى به في علو الهمة،
وقوة الإرادة، وفي العلم الصحيح، والعمل الصالح المصلح، وفي الجهاد لإعلاء
شأن الأمة في دينها ودنياها، ومدنيتها وحكومتها، فالأمم لا ترقى إلا بأمثال هؤلاء
الرجال.
مثل هذا الرجل الكبير يجب أن تحيي الأمة ذكره، وتنشر حكمته، وتتخذه
حجة لها في رقيها واستحقاقها للوقوف مع الأمم الراقية، التي تدل وتفاخر بعلمائها
النابغين وزعمائها المجاهدين وأئمتها المصلحين، كما قال غير واحد من كبار
المفكرين.
هذا الإمام المجدد المصلح يجب على هذه الأمة التي نبت من طينتها، ونبغ
في بيئتها، فأعلى ذكرها، ورفع قدرها، أن تعلي ذكره، وترفع قدره، وتربي
نابتتها على أصول حكمته في التجديد الديني والمدني، والإصلاح الملي والوطني،
ويجب على جميع شعوب الملة التي جاهد في سبيل إصلاحها، أن تساعد شعبه
على ما يعمل لإحياء ذكره، ودوام الاستفادة من علمه ورأيه.
ما كان هذا الشعب الكريم بالذي يرضى لنفسه أن يوصف بالكنود للنعم، ولا
بالجحود لفضل المنعم، ولا كان تلاميذ الأستاذ الإمام ومريدوه بالأبناء العاقين، ولا
أصدقاؤه ومحبوه بالغافلين أو الخاملين. فأما الشعب فلا يجاهد بدون قائد، وأما
أصفياء الإمام فقد فكروا في القيام بهذا الواجب عقب المصاب، وعقدوا له الاجتماع
تلو الاجتماع، وأقروا شيئا حالت دون تنفيذه الأقدار، وكان خصمهم أمير البلاد
ورقيبهم عميد الاحتلال، ولا زعامة يؤيدها الرأي العام.
توفي الإمام وكان أكبر كبراء مريديه القادرين على تنظيم هذا العمل غائبين
عن مصر أعني سعد باشا زغلول، وأحمد فتحي باشا زغلول، فلما عادا من