105-107
) وقال مثل ذلك في أخوة هود وصالح الرسولين العربيين وغيرهما
لأقوامهم المشركين.
وإن المطلعين على التاريخ من إخواننا في القومية العربية، يعلمون أن دولنا
العربية لم تفرق بين المختلفين في الدين في العدل والمساواة في حرية الاعتقاد
والعبادة والنفس والعرض والمال، وإن بغي الصليبيين وتعصبهم وما سفكوه من
الدماء البريئة باسم الصليب ونزغة الدين المسيحي إفكا وزورا لم يكن له من التأثير
بين المسلمين والنصارى في هذه البلاد العربية عشر معشار ما كانوا يظنون، بل
كان الجميع يعيشون متحدين متعاونين في أمور دنياهم، وكل منهم حر مستقل في
أمور دينه على قاعدة الشرع الإسلامي (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) فلم يستطع
الصليبيون الأولون ولا الآخرون أن يفسدوا علينا من إخواننا في القومية ما أفسده
علينا خلفهم من إخواننا في الدين والقومية معا بحب الإمارة والوزارة والمال.
أذكر في هذا شهادة لعالم مسلم عربي النسب والأدب، أوربي الوطن، وهو
الرحالة ابن جبير الأندلسي الذي مر ببلادنا سائحا بعد عودته من الحجاز في عهد
الحرب الصليبية سنة (580) فإنه قال في رحلته عند ذكر جبل لبنان الذي كان
فاصلا بين البلاد الساحلية التي احتلها الصليبيون وبين غيرها وذكر ما كان في هذا
الجبل من عباد المسلمين ما لفظه:
(ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به أحد المنقطعين
(أي للعبادة) من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم، ويقولون هؤلاء ممن
انقطع إلى الله عز وجل فتجب مشاركتهم، وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا فيه
أنواع الفواكه، وفيه المياه المطردة، والظلال الوارفة، وقلما يخلو من أهل التبتل
والزهادة، وإذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين
بعضهم مع بعض؟)
(ومن أعجب ما يتحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين
ونصارى وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى
تختلف بينهم دون اعتراض عليهم) إلى أن قال بعد ذكر حرية التجارة للجميع بين
البلدين (مع الاتفاق والاعتدال في جميع الأحوال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم
والناس في عافية والدنيا لمن غلب، هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة
الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك) انتهى.
ولا يخفى على أحد منكم أيها الإخوان في هذا العهد أن هؤلاء الأجانب
المستعمرين لا هم لهم في بلادنا إلا استعبادنا وسلب ثروتنا، وأنه لا فرق عندهم
بين المسلمين والنصارى في ذلك؛ ولكن الإنكليز يفضلون اليهود على النصارى
كالمسلمين في فلسطين لأن لهم ربحا ماليا وسياسيا من مساعدتهم، فهم يبغون أن
يكونوا مانعا من بقاء هذا البلاد للعرب وحدهم، فحائلا دون تأسيس الوحدة العربية
التي شعر العقلاء من جميع البلاد العربية بوجوب التعجيل بتأسيسها قبل قطع
المستعمرين طريقها عليهم [3] .
وكذلك تفعل فرنسة بتفضيل النصارى عامة والماورنة خاصة على الطوائف
الإسلامية؛ وإنما غرضها من ذلك التفريق بين الطوائف حتى لا يكون لهم وحدة
قومية ولا وطنية، والدولتان ماديتان ماليتان، والدين عندهما من بضائع التجارة
المعنوية، ومنها ما لا ربح له إلا في المستعمرات، فلذلك تساعد فرنسة الجزويت
في مستعمراتها (وهي ترى أن سورية ولبنان منها) ولكنها لا تسمح لهم بالمقام
في بلاد فرنسة نفسها.
فظهور هذه النية السوءى من الدولتين الماديتين للعرب مسلميهم ومسيحييهم
أفضل فرصة تمكنهم من جمع كلمتهم، والحرص على قوميتهم ووحدة أمتهم، فلم
يبق عاقل متعلم منهم تغره الدسائس الاستعمارية التي كانت تخدع الفريقين بما
تحملهما به على التعادي، فتخوف النصارى من كثرة المسلمين، وتغري المسلمين
بالنصارى لميلهم إلى أعداء أمتهم وبلادهم، وقد أحبطت مصر العربية هذه الدسيسة،