تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تصدير التاريخ

ببيان كنه التجديد والإصلاح الذي نهض به حكيم الشرق والإسلام

وشيخنا الأستاذ الإمام، ووجه الحاجة إليه، ووجوب المحافظة عليه

بسم الله الرحمن الرحيم

{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم

الوارثين} (القصص: 5) ، {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا

نضيع أجر المصلحين} (الأعراف: 170) ?، {وتلك الأيام نداولها بين الناس

وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} (آل عمران:

140) .

جرت سنة الله تعالى في أفراد البشر أن يؤتيهم قوى المشاعر الحسية والمدارك العقلية بالتدريج، حتى يبلغ أحدهم أشده، ويستكمل رشده، ويستقل بنفسه

بالعلم والعمل والتجارب، وجرت سنته في الشعوب والأمم أن يمنح كلا منهم من

هداية الوحي في كل طور من أطوار حياتهم الاجتماعية ما هو مستعد له وصالح

لحاله وزمانه، على مثال سنة التدريج في الأفراد. إلى أن استعد النوع البشري في

جملته ومجموعه لفهم أعلى هداية إلهية لا يحتاج بعدها إلا لاستعمال عقله في

الاهتداء بها، في كل زمان ومكان بحسبهما، فوهبه هداية القرآن وختم النبوة

برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

ولما كان من طباع البشر أن يضعف تأثير الوحي في قلوبهم بطول الأمد على

عهد النبوة، فيفسقوا عن أمر ربهم، ويتأولوا كتبه بأهوائهم، أنعم عليهم بما يحيي

هداية النبوة فيهم، بأن يبعث فيهم بعد عصر النبوة مجددين، وأئمة مصلحين،

يرثون الأنبياء بالدعوة إلى إصلاح ما أفسد الظالمون في الأرض، ويكونون حجج

الله على الخلق، وقد بشرنا نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المصلحين، بأن الله

تعالى يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها؛ ليكونوا

خلفاءه فيما جدده من دين الله تعالى للأمم كلها {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد

الرسل} (النساء: 165) إذا طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وفسقوا عن أمر

ربهم.

إنما كان المجددون يبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد لما أبلى الناس من لباس

الدين، وهدموا من بنيان العدل بين الناس، فكان الإمام عمر بن عبد العزيز مجددا

في القرن الثاني لما أبلى قومه بنو أمية وأخلقوا، وما مزقوا بالشقاق وفرقوا، وكان

الإمام أحمد بن حنبل مجددا في القرن الثالث لما أخلق بعض بني العباس من لباس

السنة، ورشاد سلف الأمة، باتباع ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله،

وتحكيم الآراء النظرية في صفات الله وما ورد في عالم الغيب، بالقياس على ما

يتعارض في عالم الشهادة، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري مجددا في القرن

الرابع بهذا المعنى، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي مجددا في أواخر القرن

الخامس وأول السادس لما شبرقت نزغات الفلاسفة وزندقة الباطنية، والإمام أبو

محمد علي بن حزم الظاهري في القرن السادس لما سحقت الآراء من فقه النصوص

الشرعية، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مجددين في آخر القرن السابع

وأول الثامن لجميع ما مزقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية، من

حلل الكتاب والسنة السنية، في جميع العلوم والأعمال الدينية، وحسبنا هؤلاء

الأمثال في التجديد الديني العام.

وظهر مجددون آخرون في كل قرن، كان تجديدهم خاصا انحصر في قطر

أو شعب، أو موضع كبير أو صغير، كأبي إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات

والاعتصام في الأندلس، وولي الله الدهلوي والسيد محمد صديق خان في الهند،

والمولى محمد بن بير علي البركوي في الترك، والشيخ محمد عبد الوهاب في نجد،

والمقبلي والشوكاني وابن الوزير في اليمن.

وهنالك مجددون آخرون للجهاد الحربي بالدفاع عن الإسلام، أو تجديد ملكه

وفتح البلاد له، وإقامة أركان العمران فيه، وهم كثيرون في الشرق والغرب

والوسط، ورجاله معروفون، كبعض خلفاء العباسيين والأمويين، ومنهم من جمع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢