أن تتنزه عنها الحكومات الإسلامية، فكيف والوقت عسر، والمستحقون لهذه
الأموال في أشد درجات الضيق، وأقصى أحوال الجهد والعناء.
قال أهل العلم: من منع المال مستحقيه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، وعد
غاصبا للمال، وظالما من جملة الظالمين، ومن صرفه حيث أمر الله عد من الذين
صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكان خير أمين فيما أسند إليه.
ولما كنتم أدام الله عز المسلمين بكم ممن لهم السابقة في خدمة الدين، والاهتمام
بأمور المسلمين، تحدبون عليهم حدب الوالد على ولده، والراعي على رعيته
خصوصا أهل الحرمين الشريفين، أتينا بكتابنا هذا مرفوعا لسدة جلالتكم راجين أن
تكونوا لأهل حرم الله تعالى وحرم رسوله المعظم عند حسن ظننا بكم، لا زلتم
موئلا للبائسين، وعضدا متينا لعموم المسلمين سيدي.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
افتراء مجلة مشيخة الأزهر علينا
وهجوها وهجرها فينا
قد رأى قراء المنار ما أفتينا به في الجزء الرابع في بدعة زيادة بعض
المؤذنين في آخر الآذان، وهو أنها بدعة في شعار ديني محض تدخل في عموم
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة
وكل بدعة ضلالة) ولكن مجلة مشيخة الأزهر أفتت بأنها بدعة حسنة، ولما رآه
مفتيها بهذه البدعة كفتاويه بما هو أضل منها من البدع انقطع في بيته وعكف مع
بعض أعوانه على مجلدات المنار يبحث فيها عن أمور يتخذها مطاعن على صاحب
المنار، وجمع ما وجده قابلا للتحريف والشبهة مما صادفه فيها في مقال طويل بدأ
بالاحتجاج لبدعة الأذان بطريقته الأزهرية في المراء وجدل الألفاظ وإيراد
الاحتمالات.
وقفى على ذلك ببهائت بهت بها صاحب المنار وافترى عليه بأنه كذب الله
ورسوله وخطأهما وخالف الإجماع ورد الأحاديث الصحيحة اتباعا لهواه، وأنه ليس
لكتاب الله وسنة رسوله عليه سلطان، وأنه أنكر وجود الملائكة بتقريره أنهم عبارة
عن القوى الطبيعية، وأنكر وجود الجن وزعم أن الجن عبارة عن الميكروبات،
وأنه يتأول القرآن بما ينافي اللغة والدين والعقل تقربا إلى الماديين لا لشبهة علمية،
وأنه ليس عنده أدنى استعداد للعلم والفهم، ولا للمنطق والعقل، ولا للأدب والذوق،
وأنه من دون ذلك كله أفتى تلاميذ المدارس النصرانية من المسلمين بالصلاة مع
النصارى في كنائسهم لأجل تنشئتهم على دين النصرانية عقيدة ووجدانا، يعني
مفتري هذا البهتان أن صاحب المنار لا غرض له من إنشاء مناره ولا من تفسيره
لكتاب الله تعالى إلا هدم دين الإسلام وتحويل المسلمين عنه إما إلى النصرانية وإما
إلى المادية، وأن ما اشتهر به في العالم الإسلامي، بل في العالم كله حتى
مستشرقي الإفرنج ووزارات أوربة الخارجية والاستعمارية المشتركة فيه من أنه
داعية الإسلام والمحامي عنه في هذا العصر، والذي استطاع أن ينزهه عن البدع
والخرافات ويوفق بينه وبين أعلى ما وصل إليه البشر من الارتقاء في العلم
والعمران - فهو اشتهار باطل؛ لأن هذا المحرر في مجلة الأزهر وهو من هيئة
كبار علمائه الرسمية قد علم من حقيقة هذا الرجل وفهم من مجلته وتفسيره ما لم
يعلمه ولم يفهمه أحد، كلا إنه ظن أنه يقدر على هدم منار الإسلام بمقالة أو مقالات
في مجلة مشيخة الأزهر انتقاما لنفسه ولها، وما هو بهادم إلا لنفسه ولها، فقد كانت
بما يسخمها به من تأييد البدع والخرافات، ثم بهذه الشتائم والمفتريات فضيحة
للأزهر الذي يريد الاعتزاز باسمه وبمشيخته الرسمية.
ظهر مقاله في الجزء الذي صدر في غرة جمادى الأولى، وكان هذا الجزء من
المنار قد حرر ليصدر في سلخ ربيع الآخر وطبع أكثره فأخرته ليصدر في سلخ
جمادى الأولى، فأرى في أثناء الشهر ما يكون من أمر هذا الحدث الجديد في