تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام ووثنية الهند وزعماؤها

مقابلة ومقارنة ومفاضلة في التوحيد والتصوف

بمناسبة شهرة غاندي في العالم

الفصل الأول

(1) الإسلام نشأته الأولى وحاله اليوم:

الإسلام دين ودولة، ملة وأمة، ساد العالم بيسر تعاليمه الدينية وسماحتها

وقلتها وموافقتها للفطرة، وبعدل دولته العام، ومساواته بين البشر في الأحكام،

وجعل السلطان فيه للأمة التي تختار لنفسها الإمام، ويعد إجماعها من أصول

الأحكام، فتح بهذه المزايا ثلاثة أرباع العالم القديم في ثلاثة أرباع قرن تقريبا،

واهتدى به عشرات الملايين فيه من جميع الأمم باختيارهم قبل أن يتم القرن الأول.

بيد أنه ابتلي بعد عصر النور المحمدي وعصر الخلفاء الراشدين المهديين ببدع

تغلغلت في تعاليمه وتربيته الدينية بالتدرج فكثرتها وعقدتها حتى جعلتها أضعاف ما

جاء الرسول الرءوف الرحيم عن رب العالمين، وجعلتها حرجا لا يطاق احتمالها،

وسرت سموم فسادها في دوله فجعلتها استبدادية، وسلبت منها سلطة الأمة على

خلفائها وسلاطينها، بتأويلات رجال الدين والشرع وتحريفهم لها؛ لأجل أن

يشاركوا الحكام في السيادة عليها واستغلال ثروتها، ولكن انتهى بهم ذلك إلى عصر

ما عاد يطيق فيه الحكام أحكامهم فصاروا يبعدونهم من مناصب السياسة،

ويحرمونهم من منصات الرياسة، إلا أفرادا منهم يخضعون العوام لنفوذهم، ثم أدى

ذلك إلى ترك بعض أحكام الشرع الإسلامي نفسه، ثم إلى ترك بعضهم له كله

أصوله وفروعه.

قام في الأمة رجال مصلحون يدعون الأمة إلى الرجوع إلى دينها الذي وصفه

الله باليسر وبرأه من الحرج، وترك كل ما عرض لأهله من الخرافات والبدع،

وإلى استعادة حقها في المراقبة على حكامها، والشورى في أحكامها، فناوأهم

زعماء البدع والخرافات من ناحية، وأرباب الاستبداد من ناحية ثانية، وما زالت

الحرب بين الفريقين سجالا في جميع الأقطار الإسلامية، لم يستطع قطر منها، ولا

شعب أن يبلغ من الإصلاح العام، ما بلغته أوربة واليابان، ولا وثنيو الهند في

هذه الأيام، وسبب ذلك أن السواد الأعظم من شعوب الأمة لم يبلغ من الرشد أن

يفقه ما دعاه إليه المصلحون فيؤلف لهم عصبية تنصرهم على المبتدعين الخرافيين،

وعلى المستبدين المستكبرين، ولذلك كان الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى يقول: يا

ويح الرجل الذي ليس له أمة.

إن شئتم أيها المسلمون أن تفقهوا كلمة هذا الإمام المصلح الكبير فقد ضرب

الزمان لكم أكبر مثل لفقهها، ترونه بأعينكم، وتسمعون أخباره كثيرا في صحفكم،

وهو زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي.

(2) زعيم الهندوس وزعيما الإسلام وأمة كل منهما:

أتظنون أيها المسلمون أن غاندي أوسع من السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ

محمد عبده المصري علما بما تصلح به الأمم وتعتز وتنال حقوقها؟

أتحسبون أنه أشد غيرة على قومه ووطنه منهما على أمتهما وأوطانهما؟

أتحسبون أنه أقوى منهما إيمانا، أو أقوى حجة وبرهانا، أو أجرأ جنانا

وأفصح لسانا؟ أتتخيلون أنه أقوى منهما إرادة، أو أصح عزما وأشد حزما؟

أم تذهبون إلى أن سبب فوزه في سياسته، سخاؤه ببذل روحه في سبيل أمته

(وهو آخر ما أعجب به العالم من أخباره) وأنهما كانا يبخلان بها في سبيل أمتهما؟

كلا إن كل هذه الفروض والظنون والأوهام بعيدة عن ساحة حكيم الشرق

والأستاذ الإمام، فطالما عرضا حياتهما للموت والقتل، بل يعتقد أكثر الناس أو

جميعهم أن أولهما قد قتل بالسم قتلا، ويظن بعضهم أن الثاني كذلك، ويرى أكثرهم

أنه قتل قهرا. وكان على الرأي الأول مستر ألفرد بلنت صديق الإمام، كما صرح

به في مذكراته التي نشرت بالعربية في العام الماضي.

وأما هذا الوصال في الصيام الذي يصومه غاندي على دينهم في تعذيب الجسد

لتربية النفس فقد حرمه وأبطل قاعدته الإسلام الذي أعطى الجسد حقه والروح حقها،

على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل في الصيام وينهى عنه، ويعلل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٩١