منصور الإسكندري رؤيا ثم كتبها لي وهي: (رأيت فيما يرى النائم رسول الله
صلى الله عليه وسلم جالسا في صدر مجلس وأنت بجانبه فتحدثت إلى صديق كان
بجانبي عن جماله صلى الله عليه وسلم قائلا له: انظر يا أخي هذا هو النبي صلى
الله عليه وسلم، ألا ترى أن أصدق من وصف جماله الخلقي تلك المرأة القائلة: إن
جماله لا يطمع الناظر فيه، كما أن جلاله لا يفزع الناظر منه؟ أولا ترى أن
النسب له دخل كبير في الشبه، فهذا السيد رشيد أقرب الناس شبها به؟ (ثم قال) :
ولقد أولت هذه الرؤيا بصدق دعوتكم وقيامكم بالعمل بمقتضى كتاب الله وسنة
رسوله، ثم قصصتها على نفر من إخواني فأولوها بتأويلي هذا. اه.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المكاشفات
مما أثمرته العبادة والمراقبة قبل سلوك الطريق وبعده المكاشفات بقسميها
الصوري والمعنوي أو الظلماني والنوراني كما يقول الصوفية، والمراد بالثاني
المعرفة بالحقائق، وقد سبقت الإشارة إليه في الكلام على الاستعداد النفسي
وتحصيل العلم، وبالأول الشئون الدنيوية، وكانت كثيرة جدا بحيث يتعذر كتمانها
كلها، كنت أكتم ما لم يعلمه الناس، وأما ما يقع لي معهم فقد كنت أسمي بعضه
مصادفة وبعضه رأيا أو خاطرا، وإن كان في موضوع طويل الأمد كثير الحوادث،
ومنه ما كنت أرجح أنه كذلك وأؤكده فيقبله بعض الناس دون بعض.
من هذا أنني كنت في دار آل الرافعي بطرابلس في أثناء زيارتي للبلاد عقب
إعلان الدستور العثماني سنة 1326 في فصل شتاء سنة 1908 فقلت: الله أعلم
أنه سينزل من السماء ثلج الآن، فنزل الثلج بعد دقائق قليلة ونزول الثلج في بلادنا
الساحلية نادر، وإنما يكثر نزول البرد. فقال ريس صيد بحري من القلمون كان
حاضرا: من أين علمت؟ قلت: إنه ليس بعلم وإنما هو شعور من برد الهواء أو
لذعه؟ قال: أيش شغلنا نحن؟ يعني أن الملاحين أعلم منا بأحوال الجو والطقس.
ثم انقطع الثلج مدة وأراد هذا الرجل وغيره الانصراف فقلت غير مالك للساني: الله
أعلم أن الثلج سيعود، فلم يلبث أن عاد، فقال الريس: وهذه؟ قلت: كتلك، فلمعت
الدموع في عينيه.
والحق أن مثل هذا ليس له قيمة المكاشفات التي سببها توجه الإرادة، ولكن
الرجل كان من المتشبعين بحسن الاعتقاد من قبل هجرتي إلى مصر ويحفظ عني
أمورا غريبة عنده، منها أنه استشارني في تربية ابنه وتعليمه فذكرت له ما سيكون
من أمره في مستقبله بتفصيل حفظه فوقع كله، وهذا ليس بغريب أن يقع بصحة
الرأي، ولو لم يكن سامعه يعتقد صلاح قائله وولايته لما كان يعده كرامة له، وقد
كان الشيخ يوسف النبهاني يبحث عن أمثال هذه الأخبار عمن اشتهروا بالصلاح
ليدونها فيما يجمع من كرامات أهل عصره، ويعدني أنا والأستاذ الإمام والسيد
الأفغاني من أعداء الصالحين؛ لأننا أعداء الخرافات التي هي برهان الولاية في
رأيه الأفين، ولا يزال يقع لي مثله كثيرا في الدار فتقول أم الأولاد: إنك تكاشف
علينا، فأبتسم.
وأذكر عن ولد هذا الريس (رحمه الله) وهو حي يرزق أنه دخل علي مرة
في غرفتي فوقع في قلبي أنه كان يغازل امرأة فذكرت له الأثر المروي عن الخليفة
الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنه، وهو أنه دخل عليه رجل فقال له:
أيدخل أحدكم علي وأثر الزنا ظاهر على عينيه؟ فقال الرجل: أوحي بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا ولكنها فراسة المؤمن) . اه ذكرته له بلهجة
الإنكار، ففهم واعترف خجلا.
وجاءني السيد علي عبد القادر يريد أن يسأل عن شيء، فقلت له قبل السؤال:
إنك تريد أن تعلم ما ورد فيما يقرأ بعد الفاتحة في راتبة الفجر، وورد أنه كان
صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بسورة الكافرون والإخلاص، وورد بسورة الانشراح