تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

....

، وهجوي وتكفيري بما يتعجب كل من رآه لصدوره عن

أحد رجال العلم والدين كقوله:

أترى أنك البصير بشيء ... أنت فيه كالكلب والخنزير

وكفى أن عافاهما الله من رؤ ... ية وجه كوجهك المقذور

وهذا الطعن مما يعاقب عليه القضاء قطعا؛ ولكنه هو نفسه أشد عقابا لمجترحه

في نظر أهل الدين والعلم والأدب، أو كما قال المتنبي:

فذاك ذنب عقابه فيه

ورأيت الناس يطالبونني قولا وكتابة بالرد على مطاعن مجلة الأزهر

ويتعجبون من سكوتي عنها حتى نشر هذا بعضهم في جريدة السياسة الغراء؛

وإنما كان سكوتي إلى الآن أنني وعدت به فضيلة المفتي إلى أن يبلغ غاية شوطه

من السعي للصلح، وقد وفيت له بوعدي، وظهر له صدقي وخداع الدجوي.

وبقيت مجلة الأزهر والمشيخة التي تصدرها، فسنرى ويرى الناس ما سيكون

من أمرهما بعد ظهور هذه الجرائم من اثنين من علماء المشيخة في مجلة المشيخة

وفي رسالة تباع في الأزهر نفسه، فالأستاذ الأكبر شيخ الأزهر هو المسئول عن

شرفه وشرف مجلته وعلمائه، ولم نعلم أنه صدر عنهم في زمن من الأزمان مثل

هذا ولا ما يقرب منه.

وها أنذا أبين للأمة في جرائدها اليومية موضوع الخصام والصلح الذي

يسألونني عنه؛ لأنه يتعلق بأمر دينها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله

عليه وسلم وما طرأ عليه من البدع والشبهات، وموقفها بين الإصلاح والخرافات،

وما يجب عليها من معرفة الفصل فيه بين الحق والباطل، إذ لم تعد المسألة نزاعا

واختلافا بين مجلتين يحسن ألا تعدو صحائفهما، ولا بين شخصين مختصمين، بل

تعدتهما إلى مسألة الإصلاح الإسلامي الذي يتوقف عليه حفظ الإسلام في هذا

العصر، ومسألة الجمع بين الإسلام الصحيح وعلوم العصر التي تتوقف عليها عزة

الأمم واستقلالها، ومسألة جمود الأزهر الماضي وتجديده الحاضر والمستقبل،

والتنازع بين النابتة التي نجحت فيه بإصلاح الأستاذ الإمام، وبقايا أعشاب الجمود

الضارة التي تعوق نماءها، واستواءها على سوقها، وإيتاءها أكلها بإذن ربها.

ضاق الأزهر الحديث ذرعا بما كان من جموده في القرون الأخيرة، فطفق

ينسلخ منه ببطء ثم بسرعة واستعجال يخشى أن يكون معه الزلل، فيتبع مدرسة

دار العلوم في نزع آخر مشخصات رجال الدين عنه؛ فإن جذب الاستقلال العصري

له صار أقوى من جذب الجمود السابق، وهو في أشد الحاجة إلى موقف الاعتدال

في الوسط الذي اختطه له الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى وفيه بعض تلاميذه ومريديه

ولكنهم يستترون لإخراج بعضهم منه إخراجا إداريا غريبا ويحتاجون إلى قوة

وزعامة تمكنهم من موقفهم في الوسط، وحمل الميزان القسط، وقد شعر أنصار

الجمود بقرب زوال دولتهم وجاههم الأزهري فأجمعوا أمرهم وهم يمكرون ونهضوا

بحملة جديدة على الإصلاح سأشرحها بعد بما يدهش عقلاء الأمة ويشغل صحفها

وأقتصر في هذه المقالة على مثار الخلاف بين المجلتين فأقول:

كانت طريقة الأزهر في التعليم قبل مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى

مصر إلزام الطلبة قبول كل ما في كتب التدريس وما يقوله لهم المدرسون بالتسليم

وعدم الاعتراض، عقلوه أم لم يعقلوه، وطريقة الأستاذ الإمام التي استفادها من

الأفعاني وجرى عليها بالدعوة وبالعمل في دروسه الدينية والفنية والعقلية أن لا يقبل

أحد كلام أحد بالتسليم الأعمى، بل يجب الفهم والاستدلال المؤدي إلى الإقناع

والتفرقة بين كلام المعصوم وغير المعصوم.

في كتب التعليم في الأزهر وغيرها ما يخالف اليقينيات القطعية حتى الحسية

منها، ويرى طلابه وغيرهم في كتب التفسير وشروح الأحاديث مشكلات اضطرب

العلماء في حل عقدها، ويرون في بعض أجوبتهم عنها ما لا يقنع من يريد أن يفهم

ويعلم، ويرون أن عالما واحدا من المحدثين الفقهاء قد ألف أربع مجلدات في

الأحاديث المشكلة سماه (مشكل الآثار) وهو الإمام الطحاوي، ويرون مع هذا كله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٩٣