أوربة الآن أن تمنعه بقوة السلاح، لما هي عليه من الاشتغال بنفسها، وما هي
مستهدفة له من الخطر الأكبر، والبلاء الأصفر، والموت الأحمر.
هذا ما أراه أهم الذكرى لعقلاء المسلمين في فاتحة المنار {فذكر إن نفعت
الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم
لا يموت فيها ولا يحيى} (الأعلى: 9-13) .
{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله
يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} (الأنفال: 24-25)
... ... ... ... ... ... ... ... منشئ المنار ومحرره
... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
(1) أي جعلناهم متمكنين فيما لهم نمكنكم فيه من أسباب القوة وغيرها.
(2) قد شرحنا هذه الفكرة في كتابنا (الخلافة العظمى) شرحا كافيا وافيا.
(3) رواه ابن عساكر من طريق الإمام مالك من حديث طويل له قصة تراجع في بحث الوحدات الإسلامية الثمان من الجزء 9 مجلد 32.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الحج نفقاته وشقته ومشقاته
وحال المسلمين الأولين والمعاصرين فيها [1]
كان الناس من المسلمين يحجون بيت الله عز وجل مشاة احتسابا لزيادة الأجر
لا للعجز عن الراحلة، حتى إن هارون الرشيد أعظم ملوك الأرض في عصره
ثروة وترفا وعظمة حج ماشيا، ولكن كان يفرش له اللباد مرحلة بعد مرحلة فيطأ
عليه.
وكان الناس يحجون من أبعد أقطار الأرض عن الحجاز كالمغرب الأقصى
والأندلس من جهة الغرب، والهند والصين من جهة الشرق إما برا فقط وإما برا
وبحرا فيقطع أحدهم المسافة في سنة أو سنتين أو أكثر وينفق الألوف الكثيرة من
الدراهم والدنانير مما يعده لهذا النسك من أطيب كسبه، ويعد إنفاقه أفضل ما يدخره
لمثوبة ربه، فإذا هو عاد إلى وطنه حيا سالما أقيمت له الاحتفالات في أهله،
ووجهت إليه التهاني من صحبه، ومن الأدباء والشعراء في وطنه إن كان من أهل
العلم والأدب أو الوجاهة والثروة. وإننا لا نزال نرى بقية لهذه الاحتفالات والتهاني
للحجاج في هذه البلاد القريبة من الحرمين الشريفين في هذه العصر الذي قربت فيه
المسافة وسهلت فيه المواصلة، وصار من الممكن للمصري أن يسافر من مصر في
أوائل ذي الحجة الحرام إلى مكة المكرمة فيحج ويتم المناسك في منتصفه، ولا
يلبث أن يعود إلى وطنه في الأسبوع الثالث منه إذا لم يزر الحرم النبوي الشريف،
والقبر المكرم، ولولا الحجر الصحي الاحتياطي لما استغرق سفر الحج شهر ذي
الحجة كله ذهابا وإيابا بمنتهى الراحة والرفاهة التي كان يعجز عنها الملوك في
القرون الماضية.
وأما نفقة الحج الرسمية فقد وضعت حكومة الحجاز لها تعريفة في هذا العام
علم منها أنه يمكن للرجل أن ينفق على حجه هنالك بضعة جنيهات فقط بدون
الزيارة وبضعة عشر جنيها مع الزيارة، وقلما تصل نفقة ركاب السيارات في الحج
والزيارة التي لا بد منها إلى عشرين جنيها، وأحدثت للحجاج المترفين فنادق
يجدون فيها أحسن الطعام وأنقى الماء وجميع أسباب الراحة والصحة. ولقد كنت
أعددت لحجتي الأولى مع الوالدة رحمها الله تعالى مائة جنيه ذهبية، وإنما لم أنفقها
كلها لأنني كنت ضيفا للملك حسين رحمه الله تعالى مدة وجودي في الحجاز، كما
كنت في الحجة الثانية ضيفا للملك عبد العزيز أطال الله بقاءه موفقا للإصلاح.
ومن أغرب أمر المسلمين في هذه الزمان أننا نسمع من بعض حجاجنا ونقرأ
لبعضهم من المقالات في الجرائد من التبرم والشكوى من نفقات الحج ومتاعبه ما
يدل أصح الدلالة على ضعف دينهم وعدهم الإنفاق في سبيل الله ونيل القربات عنده
من المغارم، وإن كانت واجبة، لا صدقات مندوبة. ويستبيحون لأنفسهم الطعن في