مصابنا بالوالدة رحمها الله تعالى
بعد ظهر اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، قد احتسبنا عند الله
تعالى والدتنا ومربيتنا وجرثومة أسرتنا السيدة البرة الرحيمة التقية النقية الشريفة
(فاطمة أم رشيد) الحسنية الأب والأم، في منتصف العشر التاسع من عمرها،
ففقدنا بفقدها أما يندر وجود مثلها في الأمهات - والأمهات أفضل ما في هذه
الكائنات - حبا ورحمة وإخلاصا ونصحا وإيثارا للأولاد على النفس مهما تكن
صفاتهم وأحوالهم، إلا من أفسدت البيئة فطرتها، وذهب الجهل ومعاشرة الفاسقين أو
الخرافيين بدينها، فلا حب فوق حب الأم إلا حب الله تعالى لعباده المقربين، ولا
رحمة تعلو رحمتها إلا رحمته عز وجل للمحسنين، بل رحمتها أكبر شجنة من
رحمته الواسعة عز وجل، فقد فقدنا من كانت عندنا ومنا وفينا أفضل المخلوقات،
من لا يفضلها شيء، ولا يغني عنها شيء، إلا رحمة الله تعالى وصلواته على
الصابرين، وبره وإحسانه للبارين المحسنين، ونرجو أن نكون منهم في برنا لأمنا
في حياتها، وصبرنا واحتسابنا لها بعد وفاتها، ونسأله تعالى أن يجزيها عنا أفضل
ما جزى أما لعباده رؤما لأولادها، رؤوفا بهم، عطوفا عليهم، محسنة لتربيتهم،
أمة من إمائه، مؤمنة به، موحدة له، مخلصة في عبادته، وأن يتغمدها برحمته
التي يختص بها عباده المقربين، ويرفعها إلى منازل الكرامة في عليين.
كانت رحمها الله تعالى صحيحة البنية سليمة من الأمراض، إلا أنه عرض
لها ألم الرثية (الروماتزم) في ركبتيها بعد مجيئها إلى مصر منذ بضع عشرة
سنة، فعالجها الطبيب التركي الشهير شرف الدين بك - رحمهما الله تعالى - بصبغة
اليود دهانا وشربا، فزال المرض وحجت في موسم سنة 1334 وأنا في خدمتها فلم
يزعجها شيء من ركوب الشقادف والنزول منها، واحتملت ما أرهقنا من نوء البحر
في عودتنا من الطور إلى السويس في باخرة صغيرة وبسهولة.
وصامت معنا شهر رمضان الماضي بدون تعب ولا ضعف، وكانت تفطر
وتتسحر من طعامنا القوي التغذية فلا تشكو منه ثقلا ولا طسى ولا سوء هضم،
وتصلي معنا في جماعة الأسرة، ثم تغيرت صحتها عقب عيد الفطر، واشتكت
واختلف على معالجتها عدة من نطس الأطباء أشهرهم سليمان بك عزمي فخف
المرض؛ ولكنها ضعفت بالتدريج واشتد تعبها في آخر ليلة من حياتها الشريفة
الراضية المرضية، وقد صلت الفجر والظهر يوم وفاتها في وقتهما بالإيماء، ولم
تقبل أن تؤخر الظهر لتجمعها مع العصر كما أفتيتها في مثل هذه الحال، وفاضت
روحها في الساعة الثانية بعد الظهر.
وكانت التي تتولى خدمتها الخاصة وتمرضها في كل أيام مرضها كنتها أم
أولادنا، حتى أنها كانت تسهر بجانب سريرها ما دامت تعبة محتاجة إلى شيء من
الخدمة وتنام بجانبه عند الحاجة. وقد قلت لأم محمد شفيع غير مرة: إن كل خدمة
تؤدينها للوالدة فكأنك تؤدينها لشخصي؛ لأنك نائبة فيها عني، فإنني أنا الخليق بأن
أقوم بذلك بكل ارتياح مهما يكن نوعه، فلا عذر لك في شيء من التقصير إلا إذا
كنت أنا مقصرا معك في شيء ما - وهي بحمد الله واتباعنا لهداية دينه القويم لا
تشكو مني شيئا ما - ومن فضل الله علينا جميعا أنني لم أر منها أدنى تقصير
فأرشدها إلى تلافيه، وقد قلت لها: إنني لا أشكر لك خدمة الوالدة لجنس الخدمة
ونوعها؛ فإن هذا من التكافل المشترك في حياتنا المنزلية، وإنما أشكر لك من
أعماق قلبي أنني لم أرك في شيء من هذه الخدمة متبرمة ولا ضجرة.
فهذا الارتياح النفسي لهذا العمل الشريف من الفضائل النفسية لا تكاد توجد في
الكنائن، بل قلما تتحلى بها ابنة في تمريض أمها في هذا العصر الذي كثر فيه
العقوق، وهضم الحقوق، فأقسمت أنها تشعر في خدمتها بارتياح من تخدم ابنة لها
لا أما، ولقد كانت المرحومة خيرا لها من أمها، وأشد تحريا لسرورها من بنتها،
فلو كانت أمها معنا لما استطاعت أن تؤلف بيننا مثلها، فأنا أسجل هذا في المنار