ما بين الإمامين في جزيرة العرب
من فضل الله على الأمة العربية وعلى العالم الإسلامي أن استقر أمر الحكم
في جزيرة العرب وتوطد لإمامين عاقلين تقيين، ومليكين مكينين قويين، قادرين
على حفظ الأمن، كل منهما في داخل بلاده، وعلى حفظها من العدوان الخارجي
عليها باتحادهما وتحالفهما، ومن ثم كان عقلاء المسلمين كافة، وعقلاء العرب
خاصة في أشد الحرص على إيجاد هذا الاتحاد والتحالف بينهما، وهذا ما سعى إليه
الكثيرون منهم، وكان كاتب هذا (صاحب المنار) بحمد الله وتوفيقه منهم بل أولهم،
وقد عارض هذا السعي الحميد سعي ذميم إلى إفساد ذات البين كان أشد نشاطا،
ولكنه لم ينل منهما منالا، وإنما كان العائق عن عزم الحلف وإبرام الميثاق اختلافا
بينهما في بعض الصفات النفسية والأخلاق، فالإمام يحيى حميد الدين يغلب عليه
خلق المحافظة على القديم، وطول التروي في كل جديد، وإن كان جيدا مفيدا،
فسياسته سلبية في الغالب، ورث هذا الخلق إرثا، ومرن عليه بما كان من مكافحته
كأسلافه للدولة التركية قتالا دفاعيا، وسياسة سلبية لحفظ استقلالهم، وحكم الإمامة
في بلادهم.
وأما الملك عبد العزيز آل سعود فهو مجدد إيجابي السياسة والإدارة، كما يعلم
من تاريخه منذ كان ضيفا في الكويت لاجئا إلى شيخها إلى أن استعاد بعزمه وحزمه
إمارة آبائه المسلوبة إلى أن صار صاحب سلطنة واسعة يديرها بالتجديد المدني فقد
جدد في الحجاز في بعض سنين ما لم تفعله الدولة التركية، ولا بعضه في أربعة
قرون. ولهذا كان هو البادئ بدعوة الإمام يحيى إلى الاتحاد والحلف، وكان هذا
يرجئ ويسوف، وكل منهما يعتقد أن الخير له ولبلاده ولأمته ولملته في هذا الاتفاق
الحلفي، وهو على هذا عامل بمقتضى خلقه وشعوره، المختلفين بين إقدام وإحجام،
وإيجاب وسلب، حتى انتهى هذا إلى تعبئة الجيوش وتوقع إيقاد نار الحرب،
والعقلاء من جميع الشعوب والملل مجمعون على أن الاتفاق السلمي خير لكل منهما
من كل ما يتصور من الربح في نيل مراده، وأن الحلف الثابت المطمئن خير من
السلم المضطرب.
كثر تخبط الجرائد العربية في أسباب الاختلاف الذي أثار الخوف من الحرب
فحمل ذلك كل فريق على نشر بيان في الحقيقة التي يراها في جريدة العاصمة التي
هي لسان حاله، فرأيت أن أنشر كلا منهما ليبنى عليه الحكم العادل، ويحفظ
للتاريخ، وأبدأ بما نشره في جريدة (الإيمان) اليمانية، فإني أشم من مقالها عرف
المعارف الإمامية، وهذا نصها: من العدد 85 الذي صدر في جمادى سنة 1352.
] ويل لكل أفاك أثيم [[*]
لم يكن من دأبنا وقد علم كل من قرائنا ما لجريدتنا من الخطة والطريقة إظهار
الولع في تتبع هذيان المفترين، وهوس الكاذبين ومقابلته بالرد على صفحات هذه
الجريدة لأنا نعلم أن الحقائق من شأنها التغلب على الباطل، وسرعان ما انكشف كذب
الكاذبين فافتضحوا، وخسروا فيما افتروه فما ظفروا ولا ربحوا، قبل أن نعمل قلما
في رد، أو نتكلف لبيان تضليلهم برسم أو حد، ولو ذهبنا إلى عد ما جرى من هذا
القبيل لطال أمد التعداد، واستنفدنا كمية غير يسيرة من الوقت والمداد.
وفي هذه البرهة رأينا بعض الجرائد اندفعت لنقل الأخبار القصيرة عن
الوضعية في جزيرة العرب، فقلنا هذه شنشنة أخزمية لها حكم ما قبلها من ذهابها
في مدارج الرياح، وانكشاف كذبها مقرونا بالإيضاح.
ولكن ما مرت الأسابيع حتى رأينا أحوال أولئك المخبرين والمفترين قد
تطورت إلى فصول طوال استغرقت أعمدة من الجرائد، واشتملت على كثير من
المكايد والغش والخداع للعرب خصوصا، وللإسلام وللمسلمين عموما، وكل هذا
جاء مبنيا على ما تخيلته أدمغة أولئك من وجود توتر في العلائق بين جلالة مولانا
الإمام وجلالة الملك عبد العزيز بن سعود، وانتسج هذا الوهم بخيوط أن هنالك وفدا
سعوديا عاد من اليمن إلى غير ذلك من التخيلات والاستنتاجات الفاسدة التي يكذبها