تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

وقد نقلت عنه في المنار أنه صارحني ثلاث مرات

بأنه إذا كان الإسلام ما أمثله أنا والشيخ محمد عبده فهو مسلم.

والحق أنني لا أعرف شيئا من عناية والدي الخاصة بي إلا ما ذكرت من

كراهته لإقامتي في طرابلس لطلب العلم قبل بلوغي سن الرشد وثقته التامة من

ديانتي وأخلاقي، خشية أن تعبث بي معاشرة أهل الهزل والمجون في المدينة

(البندر) وليست هذه المنة بقليلة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.

وهذا ما أريد الاعتبار به مما ذكرته في هذه الترجمة تحدثا بالنعمة، وتذكيرا

بمواضع العبرة.

***

أهم الفوائد والعبر

لطلاب العلم الديني من هذه الترجمة

1- طول المكث في المدارس ضار:

كتب لي أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر في شهادة العالمية أو (إجازة

التدريس) أنني طلبت العلم عنده مدة ثماني سنين تلقيت فيها المنقول والمعقول إلخ

(وكنت في هذه المدة أتلقى عن غيره أيضا) والعبرة في هذا أن طول مدة التلقي

والأخذ عن المعلمين لعلوم وفنون قليلة كالعربية والشرعية تضعف في الطالب ملكة

الحكم، والاستقلال في العلم، وتحصر علمه فيما يسمع ويقرأ، حتى لا يكاد يجد

غيره فيما يقرر أو يملي أو يصنف أو يفتي، ومن كان هذا كل علمه فلا علم له،

وإنما هو ينقل ما عند غيره علما كان أو ظنا، حقا أو باطلا، خطأ أو صوابا.

وقد قال لي الأستاذ الإمام عندما عرضت عليه أن يكون الشيخ عبد العزيز

جاويش من إخواننا خواص مريديه بعد عودته من أوربة: أي العلوم حصل في

إنكلترة؟ قلت: لما أسأله عن ذلك لقرب العهد بعودته، ولكنه ذكي فصيح ذو همة

وغيرة، قال سله عن مدة إقامته في الأزهر قبل دخول مدرسة دار العلوم فإن كانت

طويلة تزيد على بضع سنين فاعلم أنه قد فقد قوة الاستعداد للعمل، وأنه لم يحصل

شيئا يعتد به.

2- النية وصحة القصد وتوجه الإرادة:

قال نبي الرحمة، ومعلم الكتاب والحكمة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل

امرئ ما نوى) وإن لصحة القصد، وتوجه الإرادة إلى الأمر، أعظم التأثير في

النجاح والفوز، ولا شيء أنفع لطالب العلوم الدينية من الإخلاص لله تعالى فيها،

وقصد تزكية نفسه وتثقيفها بمعرفته الصحيحة وعبادته المشروعة، ثم تعليم الناس

وهدايتهم، وأن يكون قدوة لهم في الحق والخير، وتدبر ما علمنا الله تعالى من

دعائه بقوله: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ (الفرقان: 74) وقوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ (الممتحنة: 5)

وإن بين هذه الفتنة بتنفير الكفار عن الإسلام، والإمامة للمتقين فيه، لدرجات بعيدة

في الإيمان والصلاح، ودركات في الكفر والضلال.

لما اشتغلت بطلب العلم في طرابلس وعرفت الأستاذ العلامة الشيخ محمد

إبراهيم الحسيني وكان عائدا من الأزهر وصحبته بالتبع لصحبة صديقنا المرحوم

الشيخ محمد كامل الرافعي كما تقدم في الترجمة قال لي مرة: إنني بعد أن أتم

مطالعة أعلى كتب الأصول والكلام والبلاغة سأذهب إلى الآستانة وأقرأ درسا في

جامع السلطان أحمد، وذكر ما يتوقع لهذا الدرس من حسن التأثير والشهرة، وما

يعقبه من الفوائد، فقلت له ما معناه: إنه لخير لك أن تنوي بقراءة هذه الكتب

التقرب إلى الله تعالى والاستعداد لخدمة دينه ونفع عباده، وإن منافع العلم بالجاه

والمال قد تأتي تابعة لذلك، ولا يصح أن تكون متبوعة له، ولا مقصودة لذاتها، ثم

رجع الأستاذ عن ذلك الرأي بعد أطوار مرت عليه كما تمر على أمثاله من كبار

الأذكياء.

إن الذين اشتغلوا بعلوم الدين بقصد إصلاح أنفسهم وإصلاح غيرهم في كل

جيل كانت الدنيا أشد انقيادا لهم ممن طلبوها بالدين وعلومه، ولكن أكثر أولئك قد

زهدوا فيها، وآثروا ما عند الله تعالى على جاهها ومالها، ولقد قال لي شيخنا

الأستاذ الإمام: إنني لولا قصد التوسل بدخول الحكومة المصرية إلى التمكن من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٢٠