…
وذكرت له في هذا السياق
خلاصة تقريري الذي أرسلته إلى وزير إنكلترة الأكبر لويد جورج في رمضان العام
الماضي (1337) وما حدثت به موسيو مرسيه مدير السياسة الفرنسية في بيروت
بمعناه قبل مجيئي إلى الشام (وموضوعهما سياسة الدولتين وعلاقتهما بالعرب
وبالإسلام) فتعجب وقال: إنه خاطب الإنكليز بهذا المعنى كأننا كتبنا عن تشاور
واتفاق.
ثم فصل لي رأيه في المشتغلين بالسياسة العربية وخلاصته أن الشيوخ
والأكابر المحافظين لا يعتد بهم في شيء، وأن أكثر الشبان مغرورون ومفترقون
في الرأي، فمنهم من يرى وجوب الاتفاق مع الإنكليز على فرنسة أو ضدها وإن
سمحنا لهم بما في أيديهم من العراق وفلسطين، ومنهم من يرى العكس وهم أقل،
ومنهم من يرى أن نحارب الدولتين معا، وقال: إنه متحير بينهم، ولم يبد رأيه
بالتفصيل لأحد منهم، وأقنعته بأن يبديه لي ففعل
…
ورأيت أهمه أنه صار على
رأيي فيما رجع فيه عن رأيه اه وقد (اتفقت معه قبل الانصراف على الاجتماع
به مع أصحابنا الثلاثة غدا)
هذا ما كتبته يومئذ ولم أره بعد ذلك إلا عند كتابته لأجل نشره في هذه الأيام،
وعبارتي الأخيرة مبهمة، ومما رجع فيه إلى رأيي الاتفاق مع ابن السعود،
واستمالة أصحابنا الثلاثة، وأما السياسة الخارجية فقد كان من رأيي الذي كاشفته به
أنه لا يجوز أن يعطي لأحد من الأجانب حقا في البلاد العربية باسم الأمة، ولا أن
يوئس واحدة من الدولتين في إمكان الاتفاق معها على ما يحفظ مصالحها ومنافعها
الاقتصادية والأدبية إذا اعترفت لنا بحقنا في الاستقلال الحقيقي إلخ، وأما التفكر
في محاربة الدولتين فهو من الجهالة التي يعذر صاحبها إن لم نقل: إنه من الجنون،
وأما ما يجب أن يفعل في البلاد فهو إعلان استقلال سورية جهرا، وإحداث إدارة
جديدة للدفاع الوطني بتنظيم العشائر والقبائل كلها، وسيأتي ذكره في هذه الفصول.
يوم السبت 24 منه 13 فبراير
لقيت الأمير فيصل البارحة بعد المغرب (من يوم الجمعة) حسب الوعد
وتعشيت معه وبعد العشاء جاء أصحابنا الشيخ كامل قصاب وخالد أفندي الحكيم
والدكتور شهبندر حسب الطلب، وسهرنا معه إلى انتهاء قرب الساعة الحادية عشرة،
ودار الحديث في المسألة العربية فذكر لهم موقفه الرسمي بين أبيه والأقطار العربية
التي وكلته، وسألهم رأيهم فيما يجب أن يفعل فحيرهم ولم يستطيعوا أن يجيبوه
جوابا مقنعا ولم يتفقوا على شيء، وحلفوا له على الكتمان وانصرفنا.
ولقيته ضحوة هذا اليوم فأطلعني على الكتاب المطول الذي كتبه لأبيه (الملك
حسين) عن الحالة السياسية الأخيرة وعلى خواطره الملحقة بالكتاب المؤيدة لرأيه
السياسي الأخير.
وأهم ما ذكر به والده فيه أنه بنى ثورته على الثقة التامة بالإنكليز والاندفاع
في تيارهم وأنه وصاه عند سفره إلى أوربة بأن لا يخالف رأي مندوبيهم ومعتمديهم
في شيء وأنه لم يطلعه على ما بينه وبينهم من العهود الرسمية.
وأهم ما ذكره له من الأخبار فيه ما كان من معاملة الإنكليز له في أوربة وما
أجابوه به في لندرة عندما كلمهم في مسألة ابن سعود، وهو أنه حليفهم مثل والده
(أي خلافا لأمل والده فيهم) وذكر له سياسته الجديدة في سورية.
وقد ثبت لي من هذه الكتابة أنه كان يعتقد بالتبع لوالده أن إنكلترة تساعدهم
على تأسيس دولة عربية تضم إليها سورية وفلسطين والعراق وأن ثقته بهذا كانت
تابعة لثقة والده إذ كان يخبره مشافهة أن بينه وبين الإنكليز عهودا مكتوبة في ذلك
لم يطلعه عليها (ثم تبين له أن ليس هنالك إلا رسائل خادعة كما شرحنا ذلك في
المنار) وقد صرح لي من قبل أنه علم بالاختبار أنهم مخادعون وبما هو شر من
هذا.