تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشقاق بين العرب الحضارمة

ودعوتهم إلى الصلح

للأمة العربية مزايا وفضائل كثيرة، ومنها كغيرها من الأمم عيوب كبيرة،

وشر عيوبها وأضرها عليهم: التفرق والشقاق الذي يثيره التحاسد والتنازع في الجاه

وحب التعالي، ومنه التنازع في الإمارة والملك. فلولا هذا التنازع الذي شجر بينهم

منذ العصر الأول لملكوا الشرق والغرب، ولكان أكثر البشر عربا مسلمين بتأثير

عقائد الإسلام وقواعده الإصلاحية العامة المرشدة إلى رفع الإنسانية إلى الوحدة

والأخوة والكمال الممكن في الهدى والعلم والحضارة. وإنهم - وقد ضاعت خلافتهم،

وزالت حضارتهم، وثلت عروش ممالكهم - لو اتحدوا اليوم وجمعوا شملهم كما

فعلت الأمم التي تفرقت شعوبها قبلهم كالجرمان والطليان لأمكنهم أن يجددوا للعالم

الإنساني هداية وحضارة ودولة تنقذ شعوب البشر التي تفوقهم علما وقوة وسيادة في

الأرض مما هي مستهدفة له من خطر وفساد، كما أنقذ سلفهم البشر مما كان قد

أفسدهم من مدينة الروم والفرس وغيرهم من الأقوام.

لقد كان أفضل مأثرة لعرب حضرموت أن ضرب تجار منهم في الأرض

يبتغون التجارة فبلغوا جزائر الهند الشرقية - جاوه وما جاورها - وأهلها وثنيون

فنشروا فيها الإسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ إلا للعرب أجدادهم، ونالوا الحظوة

عند أمرائها وحكامها الذين اهتدوا بهم، وأثروا وتأثلوا وكثروا ولو كانوا على

معارف واسعة لعمموا اللغة العربية فيها كما فعل سلفهم في غيرها، ثم كان أقبح

مساوئهم تجاه تلك المأثرة الفضلى أن دب إليهم داء الشقاق والبغضاء في الوقت

الذي تنبه فيه الشعب الوطني الأصلي للعلم والعمل وجمع الكلمة ومباراة الشعب

الهولندي السائد من جانب ومقاومة تيارات الإلحاد والدعايات الكفرية والبدعية من

جانب آخر.

انشقت عصاهم القوية فكانت شظيتين سميت إحداهما العلوية، والثانية

الإرشادية، كل منهما تحاول كسر الأخرى، ويخشى أن تفوز كل منهما بما تحاول

فيقضى على هذه الجالية العربية العريقة المجد، العظيمة القدر في قلوب هذا

الشعب، فتصبح حصيدا كأن لم تغن بالأمس.

كل منهما يعيب الآخر بما إذا صح كله كان قبحه وضرره دون محاولة علاجه

بما يضاعف الداء، حتى يتعذر الشفاء، وهو الحسد والبغضاء، التي سماها النبي

صلى الله عليه وسلم الحالقة: حالقة الدين، وقد انتهت فيهم إلى سفك الدماء، بعد

الإسراف في الطعن والسباب، فكيف إذا كان مبالغا فيه، على عادة الناس في مثله،

فإن كانوا قد صاروا همجا لا زعماء لهم كما قال الشاعر العربي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فلا بد من انتقام العدل الإلهي منهم على سنته تعالى في قوله: {واتقوا فتنة

لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} (الأنفال:

25) وليتدبروها وما يليها من قوله عز وجل: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون

في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات

لعلكم تشكرون} (الأنفال: 26) مع تدبر قوله تبارك اسمه: {وإذ تأذن ربكم

لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} (إبراهيم: 7) .

وإن كان لهم زعماء يطاعون فعليهم أن يتداركوا الأمر، ويرأبوا الصدع، وإلا

كان عليهم وزرهم وأوزار الذين يتبعونهم في الإثم.

إنني لفي أشد الألم والحزن على هذه الجالية الكريمة، وطالما فكرت في

السعي إلى إصلاح ذات بينها، فلم أجد له طريقا لاحبا يرجى بسلوكه الوصول إلى

ما يرضي الفريقين، حتى إذا ما ألم بنا أخونا السيد إبراهيم السقاف من كبار

سروات العلويين، وبسط لنا ما كان بلغ به السعي مع صديقه وصديقنا الشيخ أحمد

السوركتي الأستاذ الأكبر للإرشاديين، واطلعنا على ما اتفقا عليه من شروط الصلح،

وما عرض لها من الفشل بسوء الفهم، تجدد عندي الرجاء في نجاح السعي،

فكتبت الخطاب الآتي، ونقلت له صورة منه في اليوم الذي سافر فيه من مصر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٣٢