فصول من ترجمتي منقول من كتاب المنار والأزهر
تألهي ونسكي وتصوفي
نشأت في حجر العبادة، فألفها وجداني ونشطت فيها أعضائي من الصغر،
فخفت علي في الكبر، كنت من سن المراهقة أذهب إلى المسجد في السحر، ولا
أعود إلى البيت إلا بعد ارتفاع الشمس، حتى كانت والدتي رحمها الله تعالى تقول:
إنني منذ كبر رشيد ما رأيته نائما، فإنه ينام بعدنا ويقوم قبلنا، وقد اتخذت لنفسي
حجرة خاصة من غرفتين في أعلى ركني مسجدنا البحريين للمطالعة والعبادة،
وهذه الغرفة كان يخلو فيها جدنا السيد علي الكبير الذي بنى المسجد قدس الله روحه،
والغرفة الأخرى كانت لخادمه المسمى بالأعرج، وكان أهل القرية يعتقدون أنه
من الجن ويتناقلون في ذلك حكايات غريبة. وكانت هذه الغرفة ملتقى العلماء
والأدباء الذين يزوروننا في القلمون يطالعون ويراجعون فيها ويتحاورون، وكان
شيخنا الجسر يستقرئني فيها إما بعض فصول الفتوحات المكية، وإما بعض فصول
كتاب الفارياق
…
وكانت تلذ لي صلاة التهجد تحت الأشجار من بساتيننا الخالية، وأفكر في
صدق من قال: أهل الليل في ليلهم أنعم من أهل اللهو في لهوهم، وقول آخر: لو
يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف. نعم إن للبكاء من خشية الله وتدبر
كتابه في صلاة الليل حيث يعلم المصلي أنه لا يسمع صوته أحد إلا الله لذة روحية
تعلو كل لذات الضحك واللهو على اختلاف أسبابها.
وكان كبير أسرتنا الشيخ السيد أحمد أبو الكمال الذي تقدم ذكره يدارس أولاد
الأسرة القرآن في رمضان لأجل تجويده، فكنا نقرأ معه كل يوم نصف ختمة:
خمسة أجزاء من بعد شروق الشمس إلى صلاة الظهر إلى العصر، كل واحد يقرأ
ثمن الجزء ويسمع الآخرون، وكان يحضر هذه المدارسة معنا عنده السيدة زلفى ابنة
بنته وكانت صبية ولم يكن فينا أحد بالغا غير ابنه السيد محمد كمال وهو خالها،
وكان يقرأ في غير رمضان عشرة أجزاء كل يوم.
والسيدة زلفى هذه كانت تكتب إن شاءت وتطالع الكتب وهي أم السيد عبد
الرحمن عاصم تلميذي ووكيل المنار، وهو ابن عمي السيد محمد كامل وزوج
شقيقتي ويعيشان معي. وأما عمي - والده - فهو على قدم عمه في الانقطاع للعبادة
والنسك، ويقوم بوظائف الإمامة والخطابة والتدريس في مسجدنا، وقد عني بكتاب
إحياء العلوم كما عنيت به. وكان يعاشرني معاشرة الصديق، ويفيدني في كثير من
مسائل العربية والدين، ثم فقته في ذلك حتى كان يحضر درسي؛ لتواضعه
وإخلاصه أطال الله بقاءه.
وكنت أقرأ ورد السحر في غير رمضان وحدي وفي رمضان مع الجماعة،
وكنت إذا بلغت قوله في الجيمية:
ودموع العين تسابقني ... من خوفك تجري كاللجج
ولم يكن حضرني البكاء أسكت فلا أقرأ البيت حياء من الله تعالى أن أكذب
عليه، ولما اشتغلت بالسنة وعلمت أن قراءة هذا الورد وأمثاله من البدع التي
جعلت من قبيل الشعائر والشرائع التي شرعها الله تعالى على ما فيه من الأمور
والأقسام المنتقدة شرعا تركت قراءته واستبدلت بها قراءة القرآن.
وكنت أواظب على قراءة دلائل الخيرات وتلقيت الإجازة بها عن الأستاذ
العابد العالم الشيخ أبي المحاسن القاوقجي بسنده إلى مؤلفها، ثم تركتها بعد اشتغالي
بكتب السنة كما تركت ورد السحر، واستبدلت بها وردا آخر في الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم ليس فيه شبهة بدعة من توقيت وجهر وصيغ منكرة ومضاهاة
للشعائر الموهمة للمأثور عن الشارع.
وقد حبب إلي التصوف كتاب إحياء العلوم لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي،
فكنت أجاهد نفسي على طريقة الصوفية بترك أطيب الطعام اكتفاء بقليل من الزعتر
مع الملح والسماق، وبالنوم على الأرض وغير ذلك، حتى إنه لم يعد يشق علي
ترك أطيب الطعام الحاضر عمدا، ولكنني حاولت أن أتعود احتمال الوسخ في البدن
والثياب وهو غير مشروع فلم أستطع، وقد ذكرت هذا وذاك للأستاذ الإمام بمناسبة