تصدير كتاب الوحي المحمدي
الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله جل ثناؤه أن جعل قبول هذا الكتاب وتأثيره فوق ما كنا نقدر
ونحتسب، على ما نظن من دقة اختبارنا للعالم الإسلامي، فإنه لم يكن إلا خلاصة
عامة من تفسير المنار للقرآن الحكيم، وأكثر المسلمين قد هجروا القرآن هجرا غير
جميل؛ إذ باتوا يجهلون أن فيه كل ما يحتاجون إليه من حياة روحية وأدبية، وقوة
سياسية وحربية، وثروة وحضارة ونعمة معيشة، بله ما يلزم ذلك من الفوائد
السلبية كدفع طغيان الأجانب عليهم، وصد عدوانهم عن بلادهم وإنقاذهم من
استذلالهم لشعوبهم.
في القرآن كل ما ذكرت وما هو أكثر منه وأكبر، ولا يطلبونه منه، ومنهم
من يطلبه من غيره - حتى الحياة الروحية يعتقدون أنه هو ينبوعها الأعظم، ويوجد
فيهم من يطلبها من غيره (كالأوراد والأحزاب) بناء على أنها مستمدة منه ويقل
فيهم من يزيد عليها تلاوة ألفاظه، وإنما يتلوها تاليها منهم ومن غيرهم؛ لأن
لقارئها على كل حرف منه عشر حسنات , لا للتدبر والادكار الذي أنزل لأجله
القرآن ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب﴾ (ص:
29) {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين * أم لم يعرفوا
رسولهم فهم له منكرون} (المؤمنون: 68-69) {أفلا يتدبرون القرآن أم على
قلوب أقفالها * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان
سول لهم وأملى لهم} (محمد: 24-25) .
إن أكثر المسلمين يجهلون أن للقرآن تأثيرا صالحا ما في حياتهم المعاشية
والمدنية والسياسية وهي أكبر همومهم ولا مرشد لهم فيها، ويجهلون البرهان العقلي
المقترن بالشعور الوجداني، على أنه وحي الله لنبيه ورسوله، وأن في اتباعه
سعادتهم في دينهم ودنياهم، ولا يجدون أحدا من الذين يتولون تربيتهم وتعليمهم في
بيوتهم ولا في مدارسهم يقنعهم به، ويربي فيهم ملكة الوازع النفسي لاتباعه، لا
يعرفون كتابا من كتب عقائدهم أو تفاسيره يهديهم إلى هذا، والمجهول المطلق لا
تتوجه إليه النفس، فلا عجب إذا هجروا القرآن وأعرضوا عن تدبره.
إن تفسير المنار قد ألف لاستدراك هذا التقصير في كتب التفسير، ولكنه لا
يدرس في المدارس، ولا يعتمد عليه في التربية، ولا يخطر في بال من لم يقرأه
أنه يجد فيه بيان كل ما تحتاج إليه الأمة لتجديد حياتها ومجدها، ولا لدفع الغوائل
عنها، ويوشك أن يكون أكثر من اطلعوا عليه لا ينوون بقراءته ما ألف لأجله من
الإصلاح والهدى، وتجديد ثورته الأولى، (وإنما لكل امرئ ما نوى) .
كل ما يحتاج إليه المسلمون من إصلاح وتجديد حضارة وملك متوقف فيهم
على هداية القرآن وتنفيذ النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله
عنهم له، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها كما قال الإمام مالك رحمه
الله، وكيف السبيل إلى إقناعهم بذلك ونحن ندعوهم إلى هذا منذ ثلث قرن، وقل
منهم من سمع فاستجاب واستغفر ربه وخر راكعا وأناب، حتى أهابت بهم صيحة
هذا الكتاب باسم الوحي المحمدي، وإعجاز القرآن للبشر بما تقتضيه حضارة هذا
العصر وعلومه ومشكلاته السياسة والقومية: وتحدي علماء الإفرنج بعلومه
وإصلاحه، ودعوتهم إلى الإسلام به؛ لإنقاذ العالم المدني من أخطاره وانتياشهم من
تياره، فكانت أول صيحة صخت الأسماع، فأصغت الآذان، وأشخصت الأبصار،
وأهطعت الأعناق، بالقرآن للقرآن، فبادر أهل الغيرة إلى ترجمته بما اختلف من
اللغات، وبث دعوته في الأقطار، فأسر ما سرني من تأثيره إنما هو توجيه القلوب
إلى هداية القرآن، وروح القرآن، وإن اشترك فيه العربي والعجمي، والسني
والشيعي والإباضي، ولا غرو فالقرآن فوق المذاهب والأجناس والأوطان، ومن
آياته المحكمات: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ (آل عمران: 105) ومن خطابه للرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الذين