تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاتحة كتاب المنار والأزهر

بسم الله الرحمن الرحيم

{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو

الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا

وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء: 135) .

أحمد الله تعالى أن أنفقت 35 عاما من عمري هي سن الشباب والكهولة في

الإصلاح الإسلامي العام وإصلاح الأزهر خاصة مع التزام الأدب والتواضع مع

أهله، واجتناب الدعوى، وإنني أوذيت في هذه السبيل بكل ما أوذي به طلاب

الإصلاح من قبلي فصبرت، وكان أغرب ما لقيته من الأذى بعد أن قامت الحجة

على صحة كل ما طالبت به الأزهر من الإصلاح، فتقرر فيه رسميا (إلا شيئا

واحدا وهو العناية بعلوم السنة) أن كوفئت من جمود مشيخة الأزهر الظواهرية،

وكنودها في مجلتها الخرافية، بما اضطرني إلى مكاشفة الأمة بفضيحة جهلها في

المنار وفي الجرائد اليومية، وأن أجمع مقالات ردي عليها في هذا الكتاب، وأن

أضع له مقدمة في خلاصة ماضي الأزهر وحاضره ودلائل مستقبله وخاتمة في

خلاصة جهادي في سبيل إصلاحه.

المقدمة

دخل الجامع الأزهر منذ سنتين في عهد جديد لا يعلم عاقبته إلا الله تعالى،

فإدارته تبث له دعاية سياسية في الجرائد التي تؤيد السياسة المصرية الحديثة، يراد

بها إقناع العالم الإسلامي بأن الأزهر الحديث أحق من الأزهر القديم في بث علوم

الإسلام والزعامة الدينية للمسلمين كافة، وإن لم يصرحوا بتفضيل الجديد على

القديم إلا بالثناء على ما استحدث فيه، وجعله مناط الآمال، والجدارة بشد الرحال،

ويعارض هذه الدعاية شكوى شديدة من سوء إدارة الأزهر الجديدة، وذبذبة التعليم

والتربية الخلقية والمادية فيه، وإفساد السياسة له، والخشية على مستقبل الدين

بتفرنجه.

أما تلك الدعاية فمصدرها سياسي محض، لا يؤيدها أحد من أهل الرأي

المعروفين من المسلمين، وأما هذه الشكوى التي تعارضها وتنقضها فأكثرها بأقلام

جماعة من علماء الأزهر الأحرار ومن غيرهم من الأدباء والشعراء، وتؤيدها

جميع صحف الأحزاب المصرية التي يثق بها السواد الأعظم من الشعب المصري،

فهي لا تخلو من السياسة أيضا، وإنما هي سياسة وطنية تعارض سياسة تأييد

الحكومة الحاضرة باسم الأزهر أو من قبل شيخ الأزهر. ولهؤلاء العلماء والكتاب

وأصحاب الجرائد مطاعن بينة صريحة في فساد إدارة الأزهر لم نر أحدا من قبل

مشيخته فندها أو كذب أخبارها، بل بلغنا من ثقات الأزهريين أن الرأي العام أو

الغالب في الأزهر مخالف لسياسة شيخه، ولكنهم يخشون مغبة معارضته، وقد

سمعت رجلا من كبار المسلمين أولي المكانة الدينية والعامة من غير المصرية يقول:

إن الأزهر لم يكن في عهد ولا في عصر من العصور أدنى مما هو الآن.

مدار الدعاية السياسية الجديدة للأزهر على جعله جامعة عصرية بمقتضى

قانونه الجديد ونظامه الجديد، وإنشاء الكليات فيه على نظام المدارس المدنية،

وتقرر إرسال بعثة من طلابه إلى أوربة لدراسة بعض علومها ولغاتها، وما حدث

بذلك للذين سيتخرجون فيها من الآمال في الرقي العصري - والتفصي من عقال

ذلك النظام القديم الذي انتهى بأهله إلى احتقار الأمة للأزهريين، وهضمها لحقوقهم

الدينية والأدبية، ونبو الأنظار عن زيهم، ونفور الطباع من أدبهم، حتى صار

بعضهم يفضلون الزي الإفرنجي والطربوش على زيهم المعروف، ويخشى أن

يفعلوا كما فعل جميع طلاب دار العلوم، بل ظهرت بوادر هذا من أناس منهم.

ومن رأي المعارضين أن هذا الأمل والرجاء الجديد، هو أخوف ما نخافه

على هذا المعهد الإسلامي القديم، الذي نفتخر بقدمه، وما كان له من خدمة العلوم

الدينية، والفنون العربية منذ القرون الوسطى، وأنهم يخشون على خريجي كلياته

أن يضيعوا القديم، ولا يتقنوا الجديد، فيكونوا في تجديدهم كالنساء: أسرف دعاة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١١٩