جمال الإسلام المهجور أو المجهول
(مسامرة فيه)
(ذكرني اهتمام الصحف بعزم جلالة الملك المعظم على زيارة كليات الأزهر
في هذا الشهر، وانتقادها لإدارة المشيخة الحاضرة لهذه الجامعة، وسيرة رئيسها
فيها بمسامرة في هذا الموضوع قامت بها الحجة على هذا الرئيس بأن تعليم التوحيد
وغيره في الأزهر والمعاهد التابعة له غير مفيد للخواص ولا للعوام، فرأيت أن
أنشرها كما وقعت وها هي ذه) .
أدب الدكتور عبد الحميد سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين مأدبة نفيسة
لصاحبي السمو شقيق سلطان لحج ونجله؛ إذ كانا من ضيوف مصر في العام
الماضي، دعا إليها جماعة من كبار أهل العلم الديني والدنيوي والمكانة، في
مقدمتهم أصحاب الفضيلة والسعادة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد
صادق المجددي وزير دولة الأفغان المفوض بمصر والشيخ محمد الخضر وعثمان
مرتضى باشا وأحمد زكي باشا والدكتور عبد الرحمن شهبندر وكذا كاتب هذه
المسامرة صاحب المنار.
ولما كنا على المائدة اعتذر شيخ الأزهر بالحمية عن مشاركة الجماعة بالطعام
المغذي، ولكنه أحب أن يجمع لهم بينه وبين الغذاء العقلي، فطفق يشكو من
إعراض المسلمين عن هداية الإسلام افتتانا بالدنيا وتقاليد الحضارة الإفرنجية، فقال
عثمان باشا: إن حب الجمال طبيعي في البشر، وإن الإسلام كله جمال، وإن
تهذيب الحضارة والعلوم الراقية تزيد العاقل حبا للجمال فهي تقوي الإسلام بما
تظهره من جمال المحبوب أو ما هذا خلاصته.
قال الشيخ: ولكننا نرى الجمال في عرف أكثر أهل عصرنا هو ما يسمونه
(الموضة) في الأزياء والعادات واللهو وسائر نواحي الحياة، أي وإن كان من
الفسق والفجور الذي لا يخفى قبحه على عاقل، وتساءل كيف السبيل إلى تلافيه؟
هذه صفوة عبارته.
ثم دار الكلام في جمال الإسلام وكماله وما امتاز به على سائر الأديان وما
اعترف له بعض حكماء الإفرنج ومؤرخيهم المنصفين، ولا سيما أساسه الأعظم
وهو توحيد الله تعالى وكون المرشد الأعظم للناس من لدنه عز وجل هو عبد الله
ورسوله لا مخلوق مشارك له (أو وكيل ينوب عنه) سبحانه في تدبير أمور الخلق
في الدنيا، وينجيهم في الآخرة بنفوذه وجاهه كديانة النصارى.
وذكر الدكتور شهبندر أن بعض علماء أوربة قد صرحوا بأن بساطة العقيدة
الإسلامية وموافقتها للعقل والفطرة وسهولة فهمها وتعقلها هو السبب في انتشار
الإسلام في جميع طبقات البشر بالسرعة المعروفة في التاريخ وانهزام النصرانية لما
رأى خذلان النصارى باتخاذ نبيهم إلها وربا لهم لم يكتف بتلقين أتباعه أنه نبي
ورسول، بل أمرهم بأن يقولوا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
حتى إذا فرغ الجمع من الطعام، وأخذوا مقاعدهم من حجرة القهوة والكلام،
تصدى كاتب هذا المقال للموضوع فقال: إن ما قاله الأستاذ شيخ الأزهر من
إعراض المسلمين في هذه البلاد وأمثالها عن هداية الإسلام وعن تشريعه أيضا ولا
سيما الذين يتلقون التعليم العصري حق مشاهد لا ريب فيه، وإن ما قاله الأستاذان
مرتضى باشا وشهبندر حق لا ريب فيه أيضا، وما كان حديث المائدة ليتسع لبسط
القول الفصل الجامع بين القولين،
نعم إن كل ما قيل على المائدة صحيح، وإن كان فيه ما يوهم التعارض، ولا ينبغي
لنا أن نترك هذا الموضوع المهم بدون تمحيص وتحقيق، فأرجو السماح لي بذلك.
إن الإسلام ظهر على لسان نبي أمي بعث في قوم أميين حملوه إلى أمم كثيرة
من أهل الحضارات والعلوم والفنون السابقة فقبلوه كما قبلته قبائل البداوة، وآثروه
على أديانهم وشرائعهم ولغاتهم؛ لما تجلى لهم في كتابه وسنة نبيه وسيرة دعاته من
الجمال المعنوي في عقائده المعقولة، وشريعته العادلة، وآدابه العالية، الموافقات
للفطرة الإنسانية، والجمع بين مصالح الدين والدنيا.
فما السبب الذي صرف الكثيرين من المسلمين أنفسهم بعد ذلك عن هدايته