تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أذان إبراهيم الخليل بالحج

ودعاؤه لأهل الحرم بالرزق

وما للمسلمين وعليهم من ذلك في هذا العهد

قضت حكمة الله تعالى أن يجعل الركن الاجتماعي العام لدينه الإسلام في بقعة

من الأرض ليس للناس هوى فيها لذاتها، فهي لا تقصد لاعتدال هوائها، ولا

لعذوبة مائها، ولا لبهجة رياضها وجنى جناتها، حتى يكون الباعث على قصدها

لأداء المناسك هو التعبد المحض والإخلاص لله تعالى فيه.

وكان من شرع الله في هذه المناسك إهداء الأنعام لبيت الله تعالى، وإيجاب

الفدية على من أخل بشيء من واجبات الإحرام عنده، وعلى من تمتع بالعمرة إلى

الحج فيه؛ لأجل توسعة الرزق على سكان حرم الله تعالى.

قال الله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر

بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا

وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في

أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} (الحج: 26-28) .

بل كان من عناية الله بأهل حرمه وجيران بيته أن أنطق خليله إبراهيم بالدعاء

لهم أن يجذب إليهم قلوب الناس، وأن يرزقهم من الثمرات، وهي غاية نعمة

الرزق والرفاهة، قال تعالى:] وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق

أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر [قال - أي الله تعالى -

﴿ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ (البقرة:

126) فوعد تعالى بأن يرزق من كفر منهم وجحد نعمه بالرزق من الثمرات في

الدنيا؛ وإنما يكون جزاؤه على الكفر في الآخرة لا بحرمان الرزق في الدنيا، وقال

تعالى فيما قصه علينا من دعائه: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع

عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من

الثمرات لعلهم يشكرون} (إبراهيم: 37) .

استجاب الله تعالى دعاء خليله لأهل حرمه في كل زمان، فسخر لهم القلوب

تهوي إليهم من كل مكان، وتتقرب إليه تعالى بإدرار الرزق عليهم، أجورا لدورهم،

وجزاء على خدمتهم، وصدقة على فقرائهم، وهدايا لأغنيائهم، إذ علموا أن هذه

التوسعة عليهم من متممات نسكهم، وموجبات رضوان ربهم، حتى أن الله تعالى

سخر لهم في عهد الحرب العامة دولتي إنكلترة وفرنسة تحمل الحجاج إليهم من

المشرق والمغرب مع الإنفاق على هؤلاء الحجاج، وسخر الأولى لحمل الأرزاق

لهم من الهند.

وقد وفق الله تعالى أغنياء هذه الأمة المحمدية فوقفوا على حرم الله وحرم

رسوله صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى من الأطيان والبساتين والعقار في جميع

الأقطار، مما لو حفظ كله أو جله وصرف ريعه في عمران المسجدين وما جعله

الشرع حرما لكل منهما، وفي التوسعة على سكانهما - لكان الحرمان الشريفان

أعظم بلاد الله تعالى عمرانا، ولكان أهلهما أوسع عباد الله تعالى رزقا وأبسطهم

عيشا، بحيث لا تنال منهم أمثال العسرة العالمية الحاضرة شيئا.

ولكن الفاسقين من الأفراد والظالمين من الحكام قد جعلوا كثيرا من تلك الأوقاف

ملكا، وطمسوا معالمها طمسا، على أن ما بقي منها معروفا إلى الآن كاف لعمران

الحجاز كله، وترفيه معيشة أهله، بل إن المعروف من أوقاف الحرمين في وزارة

الأوقاف المصرية وحدها يفي بذلك، وإننا لا نجد لحكومة مصر عذرا شرعيا في

منع الحرمين الشريفين حقهما من أوقافهما والتصرف فيها بغير ما وقفت عليه.

هل يصح أن يكون منع ملك الحجاز استمرار بدعة المحمل المنكرة الخرافية

سببا شرعيا لحرمان الحرمين وسكانهما من ريع هذه الأوقاف؟ هذا ما لا يقول به

مسلم يعرف الإسلام، ولو لم يكن المحمل بدعة مشتملة على كثير من المنكرات

الشرعية التي صرح الفقهاء بتحريم الاحتفال به، والتفرج بالنظر إليه - فكيف

يكون التعبد والتبرك به وجعله من قبيل مناسك الحج؟

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١١٨