تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترجمة القرآن وكون العربية لغة الإسلام

مقدمة إجمالية

وضعت مسألة ترجمة القرآن موضع المناظرة والجدال في الجرائد السياسية،

فكانت كسائر المناظرات في السياسة الحزبية والأهواء الاجتماعية، خاض فيها من

له إلمام بأصول الدين الإسلامي وفروعه ومن لا إلمام له بهما ممن اعتادوا تحكيم

آرائهم في كل شيء بما تبيحه لهم فوضى العلم والدين والسياسة في مصر، فكان

الجمهور حائرا لا يستقر له فكر، ولا يستبين له حكم.

ثم برز إلى الميدان علماء الأزهر فكانوا مختلفين كغيرهم، وقد أكثروا من

نقل عبارات الكتب واختلفوا في فهمها والترجيح بين مدلولاتها، فزادوا الجمهور

حيرة على حيرة، واضطرابا على اضطراب؛ لأنه كلام في مقابلة كلام، وخصام

حيث لا مسوغ للخصام، ولم يعرج أحد من الكاتبين على ما هو مثار النزاع في

المسألة وهو عمل الحكومة التركية اللادينية، ما حقيقته وما سببه؟ وما موقعه من

دين الشعب التركي ومذهبه واعتصامه بهما؟ بيد أن بعض من كتب من العلماء

ألقى نظرة عجلى على شعوب الإسلام الأعجمية ليعطيها حقها من حكم ترجمة

القرآن بحسب حاجتها في هذا الزمان؛ ولكنه لم يبصر بهذه النظرة العجلى ما عليه

هذه الشعوب، وألقى نظرة أثبت منها على الشعوب غير الإسلامية، فأدرك ما

للإسلام من الفائدة في إطلاعها على ترجمة القرآن بألسنتها؛ ولكنه لم يحرر

الموضوع من كل وجهة، فظلت الحقيقة خفية غير ظاهرة.

وقد كنت وفيت هذه المباحث حقها في مواضع من المنار ومن الجزء التاسع

من تفسير القرآن الحكيم، وجمعت أكثرها في رسالة خاصة، ولما ألح علي

الكثيرون من العلماء والفضلاء بكتابة شيء جديد يناسب مقتضى الحال ويرجى أن

يزيل كل إشكال، شرعت في كتابة مقال طويل جمع بعضه في المطبعة، ثم بدا لي

بعد دخول كبار العلماء في المعمعة أن أرجئ إتمامه، وأعجل إلى الجمهور ببيان

القضايا القطعية في الموضوع وما يجب على المسلمين منه في هذا العصر، وهو

ملخص في عشر مسائل، وسأنشر بعدها ذلك المقال الطويل المفصل، الذي يحز

في المفصل، ويزيح كل مشكل، ويثبت أن اللغة العربية هي لغة دين الإسلام

والمسلمين، ورابطة الأخوة العامة ووسيلة السلام للمؤمنين، بما يفند نزعات

الشعوبية وعصبية الجنسية ونزعات الملحدين، ويوحد كلمة العلماء المختلفين، بما

يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، وهذه خلاصته الإجمالية:

1- أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن هذا القرآن المحفوظ في

قلوب الألوف التي لا تحصى من الحفاظ، المرسوم في ألوف الألوف من

المصاحف، هو كلام الله عز وجل المنزل على محمد رسول الله وخاتم النبيين،

بلسان عربي مبين، معجز للخلق أجمعين.

2- أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن هذا القرآن العربي هو

أساس دين الله الذي أكمل به ما أوحاه إلى رسله من قبله، وأتم به نعمته على

العالمين، وأمر رسوله أن يبلغه كما أنزله عليه بنصه العربي المبين، فبلغه كما

أمره الله، وأمر أصحابه وأتباعه بإذن الله تعالى أن يبلغوا عنه ما بلغهم عن الله عز

وجل إلى جميع البشر، فبلغوا وما زالوا يبلغون هذا القرآن بنصه العربي المنزل،

وما بينه من سنة الرسول الذي جاء به صلى الله عليه وسلم وما استنبطه أئمة العلم

من عقائده وأحكامه وآدابه.

3- أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن الله تعالى قد تعبد بهذا

القرآن العربي كل من آمن به وبرسوله محمد خاتم النبيين من أجناس البشر تلاوة

وتدبرا وأذكارا واعتبارا، وامتثالا للأوامر، واجتنابا للمناهي، وحكما بين الناس

كما قال: ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا﴾ (الرعد: 37) على ما في ذلك من

الفروض والواجبات على الأعيان، ومن الفروض والواجبات على الكفاية التي

يكفي قيام البعض بها عن قيام الكل، وما فيه من المندوبات والفضائل والآداب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٩٩