تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دائرة المعارف الإسلامية

كان علماؤنا هم الذين سنوا سنة وضع المعاجم التاريخية بأنواعها، وضعوها

أولا لرجال الحديث النبوي، ثم لطبقات العلماء من فقهاء وأدباء وأطباء وغيرهم،

ولكل من يعنى الناس بتاريخهم من الملوك والوزراء والقواد وغيرهم ثم للأنساب

وللبلدان والأمكنة، ثم وضعوا المعاجم للاصطلاحات العلمية وأصغرها كتاب

التعريفات للسيد علي الجرجاني وآخر ما وصل إلينا منها (كشاف اصطلاحات

الفنون) ثم للكتب المصنفة.

ولكن علماء الإفرنج الذين اقتبسوا العلم والحضارة من سلفنا وكتبنا العربية قد

كملوا هذا النوع من التأليف فوضعوا المعاجم الجامعة لجميع شعب التاريخ وأنواع

العلوم والفنون ويسمونها (أنسكلوبيذية) وسماها علماؤنا (دارة المعارف) ثم ارتأى

بعضهم أخيرا أن تسمى الموسوعات أو المعلمة. ولكل شعب من شعوب العلم

والحضارة دائرة معارف جامعة بلغتها غير المعاجم العلمية والفنية الخاصة. وتبلغ

الدائرة منها عشرات من الأسفار الكبيرة، ويتولى تأليف كل أفراد كثيرون من

الإخصائيين في العلوم والفنون توزع المسائل على كل منهم فيما يتقنه في وقت

واحد.

هذا النوع من المعاجم الجامعة ضروري لكل أمة لها لغة راقية مدونة كمعاجم

اللغة يتوقف عليها تقدمها العلمي، وقد كان أول من تصدى لسد هذه الخلة في

نهضتنا العربية الحديثة المعلم بطرس البستاني الشهير صاحب المعاجم العربية

والمصنفات والصحف في بيروت في الثلث الأخير من القرن الميلادي الماضي،

وقد حبذ رأيه هذا والي سورية التركي والصدر الأعظم للدولة وشجعاه ووعداه

بالمساعدة، وسبق إلى هذه المساعدة إسماعيل باشا خديو مصر فاشترك بألف نسخة

من كل جزء يصدر من هذه الدائرة وأهدى مؤلفها مكتبة كبيرة من مطبوعات مصر

للاستمداد منها، وكانت قيمة الاشتراك ألف جنيه مجيدي، وصرح بأن هذا المعجم

ضروري للأمة، ولكن البستاني توفي بعد إصدار عدة مجلدات فتولى العمل بعده

نجله سليم البستاني فانتهى عمله بإتمام الجزء التاسع، وبعد وفاته تولى ذلك سليمان

البستاني بمساعدة أخويه نسيب ونجيب فأصدر الجزءين العاشر والحادي عشر الذي

انتهى بخلاصة تاريخ الدولة العثمانية من حرف العين. وكان المعلم بطرس أصدر

الجزء الأول في سنة 1876 م ثم كان صدور الجزء الحادي عشر في سنة 1900

وحال دون المضي في العمل كساد العلم وعدم وجود أمير ولا كبير كإسماعيل باشا

يساعد عليه، وهو يحتاج إلى نفقات كثيرة ومساعدين على النسخ والترجمة من

اللغات المختلفة.

ثم تصدى الكاتب الاجتماعي محمد فريد أفندي وجدي لإصدار معجم عصري

جديد يحل محل دائرة آل البستاني فألف كتابا سماه كنز العلوم واللغة ووصفه بقوله:

(دائرة معارف عامة تحتوي على فصيح اللغة العربية وخلاصات العلوم النقلية

والعقلية والتاريخية والعمرانية وتراجم المشاهير وفيها من الفوائد الطبية والعلاجية

والوسائل الحيوية ما يحتاج الإنسان إليه في سائر أحواله المعيشية) وشرح هذه

المقاصد بالتفصيل في صفحة ونصف صفحة من القطع الكبير بالحرف الصغير،

وقد بدأ بطبعه في سنة 1323 وأتمه في آخر سنة 1324 فبلغت صفحاته 858

صفحة وأتمه بذيل لما فاته من المواد في 16 صفحة.

ولما صدر الكتاب تبين أنه لم يف بشيء مما ذكره في مقدمته وأعلنه في

الجرائد والنشرات (الإعلانات) ومن المعلوم بالضرورة أن هذه الصفحات لا تسع

أقرب تلك المقاصد وأسهلها تناولا على المؤلف، وهو فصيح مفردات اللغة العربية

فضلا عن خلاصات جميع العلوم النقلية والعقلية إلخ إلخ، والمؤلف لم يدرسها كلها

ولا بعضها درسا يتسنى له به أن يكتب خلاصات لها، فدراسته لم تعد المدارس

الأميرية الثانوية.

انتقد الناس هذا الكتاب بما كان من غلو مؤلفه في الإعلان عنه كعادته،

وربما كنا من أشدهم انتقادا فكسبنا به عداوة بعد صداقة، ولكن الكتاب راج بتأثير

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٩٨