تاريخ الأستاذ الإمام
تقريظه ونقده
لأمير البيان، وبديع هذا الزمان الأمير شكيب أرسلان
تلقيت الجزء الأول الذي ظهر أخيرا من تاريخ أستاذنا الإمام الحجة، آية الله
الباهرة الشيخ محمد عبده قدس الله روحه، تلقيته والأشغال إلى ما فوق رأسي،
والأفكار مشتتة، والخواطر مقسمة، والوقت أضيق من حلقة الميم، فلم أتمكن من
مطالعته كله، ولا من إحالة قداح النظر في جميع نواحيه، فاكتفيت بقراءة بعض
فصوله، وبالتأمل في فهرس موضوعاته، والمكتوب كما يقال يعرف من عنوانه،
فلا شك عندي مما رأيت منه في أن هذا التاريخ هو واسطة عقد التواريخ في هذا
العصر.
قيل: إن الأستاذ ابن العميد سأل الصاحب بن عباد قائلا له: كيف رأيت
بغداد؟ فأجابه الصاحب: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد. وأنا أقول: تاريخ
الأستاذ الإمام في الكتب كالأستاذ الإمام في الرجال، كيف لا ومحرره حجة الإسلام
البالغة في هذا العصر، وإحدى حججه الباقية على الدهر، الذي كان أعظم من
أظهر فضل الأستاذ الإمام ونشر تصانيفه، وكان منه بمنزلة أبي يوسف من أبي
حنيفة، السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار، وخالد الآثار، فسح الله في أجله،
وكافأه أحسن ما يكافئ عبدا على عمله، فمن بعد أن نعرف أن هذا السفر الجليل هو
من قلم هذا الحبر الحلاحل، ومن فيض هذا البحر الذي ليس له ساحل، أصبح
التفنن في وصفه من قبيل تحصيل الحاصل، والبديهيات التي لا تحتاج إلى الدلائل.
دعنا من متانة عبارة هذا الكتاب وعلو إنشائه، وانتشار المنطق السديد على
جميع قضاياه وامتزاج الذوق السليم بجميع أنحائه؛ فإن فيه من الفوائد التاريخية ما
لا يوجد في كتاب آخر، وما لا يتم التاريخ العام إلا به، بل وما كتب السير
والحوادث تبقى في مستقبل الأيام عيالا عليه.
نعم إن ترجمة السيد جمال الدين الأفغاني قد سبق إليها الكثيرون، وذهب كل
كاتب فيها مذهبا، وكان محرر هذه الأسطر ممن طرز بها كتاب (حاضر العالم
الإسلامي) وأتى فيها بمعلومات لم تسبق لغيره، إلا أنه لا يوجد كتاب حوى من
أخبار جمال الدين رحمه الله ما حواه هذا الكتاب، ولا وفى بما وفى به، بحيث لا
تطلب فيه مطلبا ذا شأن عن حياة حكيم الشرق وموقظه الأعظم - رحمه الله - إلا
رأيته بين دفتيه، ففي تاريخ الشيخ محمد عبده أوفى تاريخ لجمال الدين أيضا.
وأما تاريخ الشيخ محمد عبده فمن البديهي أنه سيكون هذا الكتاب هو الأول،
والآخر في الإحاطة بهذا الموضوع لأن السيد رشيدا - وهو الذي أشعة نظره في
العلوم، كأشعة رونتجن في الجسوم - قد وقف جانبا من حياته على تصنيف هذا
الكتاب، وكان أعرف الناس بأحوال الإمام وألزمهم له، وأحفظهم لأقواله، وأدراهم
بمقاصده، ومن قال إنه خليفته في الأرض، ونسخة عنه طبق الأصل، لا يخطئ،
فمن العبث أن ننشد للشيخ محمد عبده تاريخا من بعد هذا التاريخ.
والأستاذ صاحب المنار - كما يعلم كل من عرفه - سالك طريق المحدثين في
التدقيق والتمحيص، فلا يبلغ أحد من التحري والتثبت ما يبلغه، بما غلب عليه من
خلق علماء الأثر؛ فلذلك لا يمكن أن ينطوي هذا الكتاب من الأخبار إلا على ما قتله
صاحب المنار علما، ولم يدع فيه للشك سهما، فالذي يطالع ما فيه من الروايات
ويكون ممن يعلم مذهب صاحب المنار في التحري، لا يقدح في خاطره عارض من
شك في أن الحادث المروي إنما حدث على ذلك الوجه، يستثنى من ذلك هنات هينات
لا يعبأ بها.
لحظت منها ظنه أن مدير المدرسة السلطانية في بيروت يوم كان الأستاذ الإمام
يدرس فيها هو المرحوم الأستاذ الشيخ أحمد عباس، والحال أن المدير الذي كان يومئذ
هو المرحوم خلقي أفندي الدمشقي وهو الذي أشار إلى صرفه بغيره السيد عبد الباسط
فتح الله رحمه الله في الفصل الممتع الذي كتبه عن مقام شيخنا في بيروت. وما عدا
ملاحظة أو اثنتين مما ليس بذي طائل لم أجد فيما طالعته من هذا التاريخ رواية لم أقل