تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

إلحاد في القرآن

ودين جديد بين الباطنية والإسلام

(2)

المقالة الثالثة

ما قدمه من التمهيد لهذا الدين الجديد

قد مهد هذا الملحد لبيان الحاجة إلى دينه الجديد بهذه الدعاوي الخمس:

(1) قوله: (إن هؤلاء المسلمين بعدوا عن القرآن ولم يعملوا به، ففريق

منهم لم يفكر فيه واكتفى منه بالانتساب إليه، والفريق الآخر الذي يظن أنه متمسك

به بعد عنه من جهة الخطأ في التعاليم) . اه.

(2) قوله: (وقد بلغ الدس والحشو في التفاسير أنك لا تجد أصلا من

أصول القرآن إلا وتجد بجانبه رواية موضوعة لهدمه وتبديله) . اه.

(3) قوله في أصحاب المذاهب إنهم حكموا أصولهم في القرآن: (حتى

صار ميدانا للجدل وأصبح غير صالح للحياة، فهدايته فقدت بالمجادلات في الألفاظ

والمذاهب) ومعانيه ومقاصده ضاعت بالروايات الناسخة، والتفسيرات المتحجرة

العقيمة.

(4) قوله: (وقد تغيرت معاني القرآن أيضا وتبدلت مقاصده باعتماد

المفسرين على كتب اللغة التي تفسر الألفاظ بلازمها، وتقصرها على بعض معانيها،

فتكون بذلك بعيدة عن فقه اللغة فيتغير معناها المراد في القرآن) اه.

(5) زعمه أن القرآن ليس له معان قطعية ثابتة، بل ألفاظ تقبل الآراء

والأنظار المختلفة المتعارضة في كل زمن وهذا معنى كونه متشابها، وإذا يجب

تفسيره في كل عصر بما يناسبه. وقد ذكرنا قوله هذا في المقال الماضي وسنعيده

قريبا في بيان أصول دينه الجديد.

خلاصة هذه الدعاوى الخمس أن جميع المسلمين قد بعدوا عن دين الإسلام،

ولا يكاد يوجد أحد منهم عليه، وأن سبب ذلك هو هدم المفسرين لجميع أصول

القرآن وتبديلهم لها، وكون علماء المذاهب حكموا أصولهم فيه، فزالت هدايته،

وضاعت معانيه ومقاصده، وأنه لا يمكن الاعتماد في فهمه على كتب اللغة التي

استمد منها المفسرون؛ لأنها فاسدة بعيدة عن فقه اللغة فتتغير بها المعاني المقصودة

من القرآن، ولأنه ليس له معان ثابتة يجب التزامها في كل زمان.

ونتيجة ذلك كله أنه لما كان لا بد للناس من الدين وأنه (لما كان القرآن آخر

الكتب الإلهية كان واجبا على الناس أن يرجعوا إليه لمعرفة حقيقة الدين) ولما كان

لا يمكن أخذ دين القرآن من كتب التفسير ولا من أصول المذاهب وفروعها ولا من

كتب اللغة وأنه لا بد أن تكون معاني القرآن في هذا العصر موافقة له دون ما قبله

- ولما كان هو الذي بين هذا في تفسيره - تعين أن يكون ما جاءهم به (هذا الملحد)

هو دين القرآن الذي لا بد لهم منه، وهذا عين ما كان يقوله دعاة ملاحدة الباطنية

من أن مراد الله من القرآن لا يمكن العلم به إلا من إمامهم المعصوم كما هو مبين

في كتب المقالات والتاريخ والمناظرات معهم (راجع أخصرها وهو القسطاس

المستقيم للغزالي) ، وإننا نشير إلى بطلان مقدماته بالاختصار فنقول:

أما الدعوى الأولى فهي صادقة في كثير من المسلمين لا في جميعهم، وقد بينا

هذا في مواضع كثيرة من تفسير المنار ومجلة المنار، ونعبر عن هؤلاء المسلمين

بالجغرافيين، أي الذين يعدون من المسلمين في إحصاء الحكومات وعلماء

الجغرافية للأمم والشعوب مع بيان أديانهم الرسمية. وقد سرقها هذا المدعي الكذاب

إلا أنه جعلها عامة، ومقدمة لنتيجة باطلة. بل عللها بما يجعل حكمه عاما يشمل

مسلمي السلف كلهم.

وأما الدعوى الثانية فهي باطلة، ليس فيها للحق شية ولا شائبة، فالروايات

الموضوعة قليلة في أكثر التفاسير، ولا يعتمد عليها في هدم شيء من أصول الدين،

وأما دينه هو فتهدمه نصوص القرآن القطعية، والسنن القولية والعملية.

وأما الدعوى الثالثة فمقدمته تصدق في بعض آراء المقلدين المتعصبين

لمذاهبهم من المفسرين، وهي التي نبين القول الراجح منها في تفسيرنا. والأقيسة

المؤلفة من مقدمات جزئية، لا تنتج نتيجة كلية، فدعواه أن هداية القرآن فقدت

بذلك دعوى باطلة.

وأبطل منها زعمه أن معاني القرآن ومقاصده ضاعت بالروايات الناسخة،

والتفسيرات المتحجرة العقيمة، أما النسخ الأصولي فالسيوطي حصر آياته في

عشرين، وحقق بعض الأصوليين كالشوكاني أنها بضع آيات فقط، دع إنكار بعض

المفسرين للنسخ من أصله، وترجيح آخرين لكثير من نقضه لما قيل فيها.

ومن العجيب الغريب أن هذا الملحد المغرور يتصدى لنسخ آيات العقائد

والأخبار الإلهية التي أجمع العلماء على أنها كلها محكمة لا يعرض له النسخ،

وبنسخ أيضا كثيرا من الأحكام القطعية بفهمه الباطل. ثم يزعم أن القرآن قد

ضاعت معانيه كلها بذهاب المفسرين إلى نسخ بعض الآيات بآيات أخرى خير منها

للأمة أو مثلها!

وأعجب من هذا وأغرب أنه يزعم أن القرآن يحتمل جميع الآراء والأفهام،

وهو ينكر على أعلم الناس به ما فهموه منه!

وأما التفسيرات التي سماها المتحجرة تقليدا لأدعياء التجديد الإلحادي من

المتفرنجين فلا يقبل لمثله قول فيها بعد ما علم من جهله وإلحاده وبراءته مما أجمع

المسلمون على أنه من محكمات القرآن وأصول الإسلام.

وأما الدعوى الرابعة فهي ظاهرة البطلان أيضا فالمحققون من المفسرين

راسخون في فقه اللغة، وكتب اللغة في جملتها قد حققت المعاني الأصلية للألفاظ،

ومنها ما فرق بين الحقيقة والمجاز، وعابوا على الفيروزآبادي الخلط بينها،

وحشر الألفاظ الاصطلاحية فيها. وناهيك بمفردات القرآن للراغب وأساس البلاغة

للزمخشري دلالة على ذلك، وهذا جهل منه لا يحتاج دحضه إلى التطويل.

وأما الدعوى الخامسة فنذكر وجه بطلانها في الكلام على الأصل الثاني من

أصول دينه الجديد، وإنما نقول هنا: إنها مستمدة من إلحاد الباطنية. قال النسفي في

عقائده: النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد.

وقال السعد التفتازاني في شرحه لها: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن

النصوص ليست على ظاهرها بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم (يعني

الذي يسمونه الإمام المعصوم) .

بعد هذا التمهيد نبين أصول دين هذا الملحد الجديد، فنقول:

الأصل الأول للدين الجديد

تفسير القرآن بالقرآن دون اللغة والسنة

هو ما سماه طريقته في تفسير القرآن وهو (كشف معنى الآية وألفاظها بما

ورد في موضوعها من الآيات والسور، فيكون من ذلك العلم بكل مواضيع القرآن،

ويكون القرآن هو الذي يفسر نفسه بنفسه كما أخبر الله، ولا يحتاج إلى شيء من

الخارج غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في

الاجتماع.

أقول: هذا الأصل كله جهل وغش، سببه أن مدعيه فاقد لكل ما اشترطه

العلماء من العلوم التي يتوقف عليها فهم القرآن وتفسيره. وبيانه من وجوه:

(الوجه الأول) أن من لم يكن يفهم القرآن بما أوتي من العلم باللغة الفصحى

وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته العملية والقولية لا يمكن أن يفهم كل آية

بمراجعة ما يناسبها في لفظها ومعناها، وإنما الذي قررناه في تفسير المنار هو أن

الذي يفهم الآيات المتعددة في موضوع واحد يحتاج إلى استحضارها عند إرادته

بيان حكم الله تعالى في ذلك الموضوع.

(الوجه الثاني) أن هذه الطريقة أكبر شاغل عن تدبر القرآن والاهتداء به،

إذ يأمره عند تلاوة الآية الواحدة بمراجعة آيات كثيرة يدعي هو أنها بمعناها. ومن

المعلوم بالضرورة أنه قد يكون في كل آية منها معان أخرى غير اللفظ أو المعنى

المراد من المقابلة وحينئذ يضطرب اختلاط هذه المعاني فلا يسلم للقارئ منها شيء.

(الوجه الثالث) قوله إن الله أخبر بهذا هو كذب وافتراء على الله، فإن الله

لم يخبر بهذا، ولو أخبر به لبينه بالعمل رسوله الذي أنزل عليه بتلاوة الآية مع كل

ما نزل بمعناها، ولنقل ذلك بالتواتر ولكنه لم ينقل قط لا تواترا ولا آحادا.

(الوجه الرابع) قوله: ولا يحتاج إلى شيء من الخارج.. إلخ باطل فإن ما

يحتاج إليه مريد فهم القرآن من الخارج (ولا يصح إسناد الاحتياج إلى القرآن نفسه)

غير ما ذكره كثير، وأهمه وأوله وأولاه بالتقديم معرفة معاني مفرداته وأساليبه في

اللغة والمعاني والبيان ويليه أو يقرن به معرفة حال الأمة العربية قبل نزول القرآن

وفي أثناء نزوله ومعرفة سيرة الرسول وسنته. فهذا ما يتوقف عليه فهم عقائد الدين

الذي جاء به وعبادته وأصول التشريع فيه وهي المقاصد الأساسية للدين وأما معرفة

سنن الله تعالى في الكون والاجتماع فهي مزيد كمال في هذا الدين.

ولكن هذا الملحد يريد هدم بعض قواعد هذه العقائد والأصول والأحكام،

محتجا على هدمها بمخالفتها لسنن الكون ونظام الاجتماع، وهو يجهل هذه السنن

كما يجهل تلك القواعد والأحكام.

(الوجه الخامس) أن الله قد وكل بيان كتابه إلى رسوله الذي أنزل عليه

بمثل قوله ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (النحل: 44) وقرن

طاعته بطاعته أمرا ونهيا، ووعدا ووعيدا، فزعم هذا الملحد أن المسلم لا يحتاج

في فهم القرآن إلى غير القرآن.. إلخ هو كفر بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وبناء

على هذا قال صلى الله عليه وسلم للناس: (خذوا عني مناسككم) وقال: (صلوا

كما رأيتموني أصلي) ولكن هذا الملحد لم يحرم بالحج من الميقات كما أحرم النبي

صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنه غير متبع للرسول صلى الله عليه وسلم وقد

أمر القرآن باتباعه، وناط به حب الله تعالى والفلاح في الآخرة.

وجملة القول في هذا الأصل الذي انتحله لتفسيره بالباطل أنه يستغني عنه

المفسر إذا أراد جمع الآيات في كل موضوع بكتاب (فتح الرحمن لطالب آيات

القرآن) وكتاب (مفتاح كنوز القرآن) وكتاب (نجوم الفرقان) وما في موضوعها،

بل أرقامه التي وضعها هو للمراجعة ليست عامة لكل الألفاظ ولا لكل المعاني.

وهي قاصرة على ما يفهمه هو، وفهمه سخيف باطل كما علم من الشاهد الذي

أوردناه منه في المقال الأول في الإنس والجن.

وقد وضع الشيخ ثناء الله الهندي المعاصر تفسيرا سماه (تفسير القرآن بكلام

الرحمن) وتباع الطبعة الثانية منه في مكتبة المنار. وإنا لنذمه إذا قلنا إنه أصح من

هذا الملحد فهما، وأوسع علما. والحافظ ابن كثير يعنى في تفسيره بإيراد الآيات

الكثيرة في معنى الآية التي يفسرها. ونحن أشد عناية في تفسيرنا بإيراد ما يتوقف

عليه تحقيق المعنى اللغوي أو العلمي من هذه الآيات، وما يصح شاهدا على بعض

المعاني المطلوبة يغني عن إطالة القول في بعض آخر.

***

الأصل الثاني في الدين الجديد

المحكم والمتشابه من القرآن

وهو زعمه أن أصول الدين المحكمات في القرآن هي الثلاثة الآتية وأن

القرآن كله متشابه قال: (أي أنه من تعدد المعنى يتشابه ويختلف عن الناظرين ولا

يضر الناس اختلافهم في المعاني والأفهام ما داموا يرجعون إلى المحكمات من

الأصول والأمهات، أي يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات) .

المراد من هذا الأصل أنه ليس في القرآن نصوص قطعية الدلالة في العقائد

ولا في التشريع يجب على أهله التزامها علما وعملا، بل يكفي كل أحد أن يؤمن

بأن للعالم إلها وباليوم الآخر ويعمل الصالحات بحسب رأيه غير مقيد في ذلك بما

أجمع المسلمون على نقله من عهد الرسول إلى هذا العهد من قول ولا فعل، وله أن

يفهم القرآن كما يشاء؛ لأنه قابل بتشابهه لكل فهم وكل رأي (قال) : (وإن آراء

المفسرين فيه تابعة للبيئة والظروف المحيطة بهم، وهذه تتغير وتتجدد، فالجمود

على آراء فاتها الزمان مؤخر للأمة، وجعل القرآن مقيدا بهذه الآراء ضار به؛ لأنه

يجعله غير صالح لكل وقت فيضيق سعته) اه.

خلاصة هذا أنه يمكن أن يكون لكل فرد يدعي اتباع القرآن دين خاص به،

وقد صرح بهذا فيما سماه الواجب الختامي لمقدمته بقوله: (والواجب أن كل إنسان

يعمل في خاصة نفسه بما يفهمه ويقتنع به، ولا يكون تابعا لأحد بدون برهان) .

وأول ما يخطر في بال من وقف على ما تقدم من مقدماته أنه يريد من

(فهم كل إنسان) ما يخطر بباله من معاني القرآن؛ لأنها متشابهة لا يمكن القطع

بشيء منها. وهو لا يبيح لأحد أن يعتمد فيها على كتب اللغة ولا على السنة النبوية

ولا على إجماع السلف، فضلا عن مذاهب الأئمة، وهذا هو الذي يجري عليه في

العمل، فإنني لما أقمت له الحجة على بطلان ما كتبه في مسألة الإماء والتسري أو

التزوج بهن لم يقبل مني الاحتجاج بنص اللغة ولا بما جرى عليه العمل من عهد

النبي صلى الله عليه وسلم فهو يزعم أن قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا

أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} (النساء:

25) أن مملوكات اليمين هن الخوادم.. إلخ. وقد قال يومئذ لمن كان يتكلم معهم

في هذه المسألة - إن السيد لم يقنعني..!

والذي قررناه في المنار وفي تفسير المنار فيما يشبه هذه المسألة أن الأحكام

الثابتة بالنصوص القطعية والسنن العملية المتبعة وإجماع الصحابة يتعين على كل

مسلم اتباعها.

وأما المسائل الاجتهادية فيجب على الباحث في الأدلة أن يعمل بما يثبت عنده

منها في المسائل الشخصية، ومن لم يكن من أهل الاستدلال فيستفتي فيما يعرض

له من ذلك من يثق بعلمه ودينه، وسائلا عن حكم الله ورسوله. ولكن هذا الملحد

جعل الأحكام وكذا العقائد كلها فوضى كما علمت، فهدم بهذا أعظم قاعدة للدين تقي

أهله من الفوضى في عباداتهم وآدابهم وبه يكونون أمة واحدة متحدة في عقائدها

وعباداتها.

وكذلك أهمل وجوب العمل بنصوص الكتاب والسنة في أحكام المعاملات

المتعلقة بأمور الأمة والدولة فقال - بعد ما تقدم -: (فمرجعها أهل الشورى من

العلماء فإن الذي يقررونه باجتهادهم وتطبيقهم هو الواجب اتباعه والعمل به، ولا

يجوز لفريق من الأمة أن يشذ عنه) .

والذي قررناه في تفسير {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول

وأولي الأمر منكم} (النساء: 59) وغيره أن طاعة أولي الأمر وأهل الحل

والعقد بالشورى بينهم هي في المرتبة الثالثة بعد طاعة الله وطاعة رسوله وخاصة

بما ليس فيه نص قطعي وهو المسائل الاجتهادية في المصالح العامة والأحكام

القضائية. ومن أصول دينه الجديد أن كلام الله تعالى ليس فيه نصوص قطعية يجب

التزامها دائما، وأما رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تجب طاعته بمقتضى رسالته.

وكما ترى:

الأصل الثالث للدين الجديد

إباحة مخالفة الرسول بمحض الرأي والمشاورة

وهو ما صرح به في تفسيره لقوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن

تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: 63) ؛ إذ قال كما تقدم في المقام

الأول ما نصه (يفيدك أن المخالفة المحذورة هي التي تكون للإعراض عن أمره،

وأما التي تكون للرأي والشورى فلا مانع منها بل هي من حكمة الشورى) اه أي

فهي مرجحة على الطاعة له صلى الله عليه وسلم هذا مع كونه في تفسير آية سورة

النساء المشار إليها آنفا {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي

الأمر منكم} (النساء: 59) أوجب طاعة الرسول من حيث هو رئيس حكومة

شورية، لا من حيث رسالته، فالظاهر أنه كما يخص هذا الوجوب بعصره صلى

الله عليه وسلم يخصه بما كان تنفيذا لحكم الشورى.

نعم، إنه فسر قوله تعالى ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (الأحزاب: 56)

بقوله (ص 234) : (أقبلوا عليه بكل ما يحكم الصلة بينكم وبينه ولا تعارضوا

في شيء من أحكامه وتعاليمه، انظر النساء في 65) .

فهو على شذوذه ومخالفته اللغة والاجتماع في هذا التفسير للصلاة والتسليم

أحال فيه على آية 65 من سورة النساء وهي قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون

حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء: 65) الآية وقد فسرها بقوله: (يفيدك

أن مقتضى الإسلام تحكيم دين الله والرضاء بقضاء رسوله، فكل من ينتسب إلى

الدين ولا يخضع لحكمه لا يكون انتسابه إلا رياء ونفاقا) ! اه.

فقد علم بهذا أن مراده بعدم المعارضة في أحكام الرسول وتعاليمه خاص

بقضائه صلى الله عليه وسلم بحكم الله، لا عام لكل أوامره ونواهيه التشريعية،

وهو مقتضى قاعدته وجوب طاعة الرسول في عصره لرياسته للحكومة لا لرسالته

مطلقا. مع تقييدها بعدم مخالفة الرأي والمصلحة جمعا بين نصوصه السقيمة على

ما فيها من التعارض والاختلاف.

ومن فروع هذا الأصل وما قبله زعمه أن السرقة والزنى لا حد على فاعلهما

إلا إذا تكررا وصارا من العادات له. ولما احتج عليه بعض أهل العلم بإقامة النبي

صلى الله عليه وسلم حد الزنا على ماعز والغامدية وقد زنيا مرة واحدة رفض هذا

الاحتجاج ولم يعتد بفهم النبي صلى الله عليه وسلم للآية ولا بعمله في تنفيذ حكم الله

تعالى؛ لأنه مخالف لرأيه، وزعمه أنه كان صلى الله عليه وسلم يطاع في عصره

لرياسته لا لرسالته.

***

الأصل الرابع للدين الجديد

النزعة المادية

ترى هذا الملحد مقلدا أتباعه الماديين في إنكار ما وراء المادة المدركة بالحس

مما ثبت في كل دين وتاريخ كل أمة وأشهر ما يعبر عنه بالملائكة والجن والشياطين

كما ترى في المعاجم والمعالم العلمية والتواريخ والكتب الدينية فهو يحرف الآيات

في ذلك تحريفا مخالفا لما هو متواتر عن أهل اللغة وعن جميع رسل الله تعالى

وأتباعهم. وكذلك عرش الرحمن فإنه يفسره بالملك، وملك الله (بضم الميم) عبارة

عن جميع مخلوقاته التي يتصرف فيها ويطلق على التصرف بالتدبير، كما يطلق

الملك (بالكسر) على التصرف في الأعيان. ونصوص الكتاب والسنة صريحة في

أن العرش مخلوق عظيم فوق السموات كلها وأنه كان قبل تكوين السموات والأرض

على الماء، وأن له حملة من الملائكة، وأنهم يكونون يوم القيامة ثمانية، وقد شبهنا

كونه مركز التدبير العام للعالم كله بالبناء الذي تولد فيه الكهرباء لمدينة عظيمة

تنيرها كلها وتدير جميع آلات الصناعة فيها، وهو يحرف الآيات فيه وأما الأحاديث

النبوية فلا تدخل في دينه من باب التشريع ولا من باب اللغة والتفسير.

إن هذا التحريف ليس مما ابتدعه خيال هذا الملحد بل هو مسبوق إليه من

الباطنية وغيرهم كما قلنا مرارا. وقد ذكر الدكتور بوست في قاموس الكتاب

المقدس معنى كلمة شيطان وأشار إلى مواضعها من العهد الجديد وذكر ثلاثة آراء

لهم في تأويل نصوص الإنجيل في دخول الشياطين الناس والبهائم وإحداثهم فيهم

أعراض الجنون قال:

(1) إنه يشير إلى دخول مبدأ الشر فيهم واستيلائه عليهم وإن إخراج

الشياطين بكلمة الرب يشير إلى غلبته على الشر بتعليمه وسيرته (قال) على أن

ذلك يخالف النص الصريح.

(2) إن المجانين لم يكونوا بالحقيقة تحت صولة الشياطين، إلا أنه حيث

ظن الناس بذلك تكلم ربنا ورسله حسب اعتقاد العالم.. إلخ.

(3) إن دخول الشياطين كان أمرا حقيقيا ظهر على هيئة أمراض جسدية

وعقلية (قال) وهذا هو الصواب - إلى أن قال - وأخيرا لا بد من هذا التفسير لمن

يعتبر المسيح صادقا. اه. المراد منه، وهكذا يقول كل عاقل في إخبار الرسول

الذي يؤمن به والكتاب الذي جاء به.

وأما الملائكة فالإيمان بهم من أصول العقيدة وأركان الإيمان وهو يلي الإيمان

بالله تعالى، ويليه الإيمان بالرسل (عليهم السلام) ؛ لأن الوحي الذي يكون به

الرسول رسولا يكون في الغالب الأكثر بتبليغ الملائكة. وكون الملائكة من عالم

الغيب المقابل لعالم الشهادة أو المادة معروف في جميع الأديان الإلهية.

ومن المعروف عندهم أنهم قادرون على التشكل في الصورة الجسمانية، وأنهم

كانوا يتمثلون للأنبياء عليهم السلام بصور البشر، وهذا ثابت عندنا في نصوص

القرآن والأخبار النبوية الصحيحة. وأهل الكتاب يصورونهم بأجنحة اتباعا للمأثور

عندهم. ولكن تلك الصور خيالية. وأما الأجنحة فهي ثابتة عندنا بقوله تعالى في

أول سورة فاطر: {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي

أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} (فاطر: 1) .

وملاحدة الباطنية يتأولون هذه النصوص وتبعهم ملحد دمنهور، ولكن كلامه

في الآيات المختلفة في خلقهم وأعمالهم مذبذب ليس له قاعدة ولا نظام كالمعروف

عن الباطنية، فهو يسميهم في قصة آدم من سورة البقرة رسل النظام وعالم السنن،

ويقول في قوله تعالى ﴿أولي أجنحة﴾ (فاطر: 1) : (يمثل لك السرعة في

إجراء سننه تعالى في الكون وتنفيذ أمره) يعني أنه ليس هنالك مخلوقات لها أجنحة

حقيقية، ويقول في قوله تعالى في قصة مريم: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها

بشرا سويا} (مريم: 17) ما نصه: (يفهمك أنها رؤيا تمثيلية، وبشارة روحية)

وفي مواضع أخرى يحيل على الآيات المتشابهة كالآيات في ملائكة الموت الذين

يتوفون الناس فلا يمكن لمتبع دينه السخيف أن يقف بعقيدته في الملائكة على معنى

جامع معقول، فضلا عن مخالفته للمنقول، ولأرباب الأديان والعقول.

***

الأصل الخامس لهذا الدين الجديد

جحد مبتدعه لآيات الله التي جاءت على غير المعهود

عند الناس كمعجزات الرسل عليهم السلام

إن أكثر البشر في مشارق الأرض ومغاربها يعتقدون أن هذا العالم علويه

وسفليه - صنع خالق عليم حكيم مريد مختار، وأنه لم يوجد بالمصادفة والاتفاق،

أو تأثير ضرورات المادة العمياء، وفي كل شيء منه آيات دالة على ذلك. وشذ

أفراد منهم ظنوا أن سنن النظام العام المطردة تنافي أن تكون فعل فاعل مختار،

يقدر أن يتصرف في الكون كما يشاء، فأقام الله تعالى حجته البالغة على عموم

قدرته وشمول إرادته، وكونه هو المقدر للسنن (النواميس) والمتصرف فيها

والحاكم عليها، ولا تتقيد قدرته بها، إذا اقتضت حكمته شيئا غيرها. فأوجد في

الكون آيات أخرى مخالفة للمعروف عند البشر، ومنها ما أيد به رسله عليهم السلام

فأقام بهم الحجة على الذين تقيدت عقولهم بما ألفته حواسهم، وكان ما جاءت به

الرسل من أخبار عالم الغيب (ومنه الملائكة والجن) وما أيدهم الله تعالى به من

الآيات أكبر فائدة للشعوب المهتدية بالدين لغيرهم في كشف أسرار الكون الخفية،

وتوسيع دوائر العلوم والفنون الطبيعية والفلكية، ولو ظلوا مقيدين بمألوفات الحواس

ونظريات العقول لما بحثوا عن غيرها، ولما وصلوا إلى ما وصلوا إليه في هذا

الزمان، مما كان يجزم الناس بأنه من محالات العقول وخيالات الأوهام.

ولكن الماديين أنكروا تلك المعجزات بحجة أنها مخالفة لسنن الكون (نواميس

الطبيعة) وزعمهم أن مخالفتها محال، وسلك ملاحدة الباطنية هذه السبيل في

التشكيك في الدين وإفساد عقائد العوام، واتبعهم في هذا على جهل وغباوة ملحد

دمنهور في دينه الجديد، كما نوهنا بذلك في مقالنا الأول، فهو يتأول تلك الآيات

كلها فيزعم أنه لم يكن لموسى ولا لعيسى ولا لغيرهما من رسل الله تعالى آية

على الرسالة إلا الحجة العقلية والسيرة الأدبية، فلا فرق عنده بينهم وبين الأدباء

والفلاسفة!

وقد فرق بينهم جميع الأمم فقال المؤمنون بهم: إنهم جاءوا بآيات هي من

خوارق العادات، دالة بعجز البشر عن مثلها، على أنها من عند الله تعالى

أيدهم بها، وقال الكافرون بهم: إنها سحر مبين، ونصوص القرآن في هذا عديدة،

فلو كانت آياتهم هي الحجج القولية، والآداب العملية لما وصفها الكافرون بالسحر،

ولكان قوله تعالى حكاية عن كفار قريش ﴿لولا يأتينا بآية من ربه﴾ (طه:

133) ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ (الأنبياء: 5) دليلا على أنه صلى الله

عليه وسلم لما يأتهم بآية علمية أدبية، وهو هو الذي جاء بأكمل الحجج العقلية

والعلمية والتعاليم الأدبية وقد وعدنا بذلك كلمة في شأن عيسى وأمه عليهما السلام

في هذه المقالة فنقول:

الشواهد على جحده لآيات المسيح وأمه عليهما السلام

(1) قال في تفسير قوله تعالى ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (المؤمنون:

50) ما نصه: (جعلناهما آية بسيرتهما الحسنة وبالنجاة من الصلب الذي كان

مدبرا للمسيح فهربت به أمه وهاجر كما يهاجر كل نبي خوفا من القتل) . اه.

(2) وقال في تفسير قوله تعالى: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف

يشاء} (آل عمران: 6) ما نصه: (ذكر التصوير في الأرحام هنا مقدمة لذكر

عيسى وإظهار أن الله صوره في الرحم كما صور غيره) .

(3) قال في تفسير قوله تعالى ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾ (مريم: 17) (يفهمك أنها رؤيا تمثيلية) أي رؤيا في المنام.

ونقول: إن الله تعالى بين في سورتي الأنبياء والتحريم أن هذا الروح (أي

الملك) نفخ فيها كانت سبب حملها بالمسيح عليه السلام، وفي الآية الأولى أسند الله

النفخ إلى نفسه فقال: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها

وابنها آية للعالمين} (الأنبياء: 91) فهل يتبع هذا الملحد عاقل أو مجنون فيقول

إن المراد من الآية جعلها آية بآدابها؟ وهو لم يتكلم على هاتين الآيتين بل اكتفى

بالإحالة على هذه الآية وقد أحال فيها على الآيتين 9 و 10 قبلها يعني قوله في

حمل امرأة زكريا بيحيى عليهما السلام (فآية الله في مجيء الغلام لم تخالف سنته

في نظام التناسل والزوجية) . اه.

وهذا خطأ مزدوج فإن إزالة عقم المرأة وحملها - ولا سيما في الكبر -

مخالف للسنن المعهودة في الحمل، وآية على قدرة الله تعالى على خرق العوائد.

وأما حمل مريم بالمسيح فليس فيه من نظام الزوجية شيء، وهو نص ما قصه الله

تعالى من قولها للملك المبشر لها {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم

أك بغيا} (مريم: 20) وفي معناه آية آل عمران {قالت رب أنى يكون لي ولد

ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن

فيكون} (آل عمران: 47) وهذا الجواب من الله يخلق ما يشاء {إذا قضى أمرا

فإنما يقول له كن فيكون} (آل عمران: 47) وهذا الجواب من الله تعالى نص

في أن هبة هذا الولد لها يكون بمحض إرادة الله المعبر عنها بكلمة التكوين لا بسنة

الزوجية المعروفة. ومثله.

(4) قوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال

له كن فيكون} (آل عمران: 59) وقد كتب عليها هذا الملحد: (أي لم يكن

عيسى خارجا عن نظام البشرية حتى يصفوه بما لا ينبغي لها من الصفات الإلهية.

راجع قصة آدم في أوائل البقرة. اه.

وأقول: إنه قال في قصة آدم: (إنها قصة فيها تمثيل حياة الإنسان وتطوراته)

فأي مناسبة بين قصة تمثيلية لأطوار البشر وبين خلق عيسى وهو شخص معين.

(5) إنه حرف المعجزات المنصوصة في الآية (49) من هذه السورة بما

يأتي: أما النفخ في صورة الطير من الطين فتحل فيها الحياة فتكون طيرا فقال فيه:

(يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم وروحه) .

وأما إبراء الأكمه والأبرص فقد قال فيه: (إن الأكمه من ليس عنده نظر،

والأبرص المتلون بما يشوه الفطرة) ثم قال: (فهل عيسى يبرئ هذا بمعنى أنه

يكمل التكوين الجسماني بالأعمال الطبية أم بمعنى أنه يكمل التكوين الروحي

والفكري بالهداية الدينية) ؟

نقول: إنه لا يكمل التكوين الجسدي ولا الروحي إنما يزيل بإذن الله هذه العاهة

وهذا المرض من الجسد، وأما الهداية الدينية فلم يعط نبي من الأنبياء منها إلا

الدلالة والتعليم، وأما الهداية بالفعل التي هي إتمام التكوين الروحي فهي لله وحده

كما قال عز وجل لخاتم النبيين: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (البقرة: 272) وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (القصص: 56) .

ثم قال - في تحريف قوله عليه السلام لبني إسرائيل -: {وأنبئكم بما

تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران: 49) ما نصه (يعلمهم التدبير

المنزلي) ! !

يعني أن من مقاصد المسيح إمام الزاهدين أن يعلم اليهود التدبير المنزلي وهم

عبيد المال وأعلم علماء الأرض بشؤون الكسب والرزق! !

(6) ثم قال في تفسير الآيات التي في آخر سورة المائدة في هذا المعنى

وفيها إحياء الموتى ما نصه:

(ومن هذا تعرف أن عيسى نبي أرسله الله إلى بني إسرائيل ليشفي مرض

نفوسهم، ويحيي موت قلوبهم، فآيته في دعوته (أي كائنة في دعوته) وسيرته

وهدايته، عاش ومات كغيره من الأنبياء في بشريته، فلم يكن خارقا لله في سنته،

ولا ممتازا بما يدعو إلى ألوهيته وعبادته) اه.

أما زعمه أنه لم يكن ممتازا فهذا باطل مخالف لنصوص القرآن ولما عند

النصارى من نصوص الأناجيل، وأما كون هذا الامتياز لا يدعو إلى ألوهيته

وعبادته فهذا حق أريد به باطل من هذا الملحد الجاهل.

***

(مأخذ هذا التحريف من كلام الباطنية)

إن من اطلع على ما قاله الباطنية وكذا غلاة الصوفية في تأويل هذه الآيات

وأمثالها يعلم أن هذا الملحد قد سلك طريقتهم وأخذ هذا الكفر عنهم بنوعه أو عينه

في بعض العبارات ولم أر له تحريفا لم أر له نظيرا إلا تحريف آية الإسراء فقد

أولها بالهجرة من مكة إلى المدينة وقال: إن المسجد الأقصى هو مسجد النبي صلى

الله عليه وسلم فيها. وقد بلغنا هذا الزعم عن بعض اليهود الصهيونيين فإن صح

هذا النقل كان غير مستقل بهذه السخافة أيضا.

سورة الإسراء نزلت قبل الهجرة بسنين. ووصف الله للمسجد الأقصى بقوله

﴿الذي باركنا حوله﴾ (الإسراء: 1) يدل على أن موقعه بالقرب من مهاجر

إبراهيم ولوط عليهما السلام إذ قال تعالى {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا

فيها للعالمين} (الأنبياء: 71) وورد في الأحاديث النبوية الصحيحة ذكر المسجد

الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي في المدينة والمسجد الأقصى.

وأن ثواب الصلاة في الثلاثة مضاعف والتفاضل بينها على الترتيب.

وجملة القول أن هذا الملحد قد أخذ إلحاده كله عن ملاحدة الباطنية وبعض

الماديين ولكنه لم يتقن صرف الناس عن دين الله تعالى بعض إتقانهم.

***

مثال من تأويل الباطنية لآيات المسيح عليه السلام

وإنني أذكر شاهدا واحدا من تفسير الكاشاني الباطني المنسوب إلى الشيخ

محيي الدين بن عربي في آيات عيسى عليه السلام المذكورة آنفا من تفسير آية آل

عمران. قال في قوله ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل﴾ (آل عمران: 49) .. إلخ

(ورسولا) إلى المستعدين الروحانيين من أساطين يعقوب الروح {أني قد جئتكم

بآية من ربكم} (آل عمران: 49) تدل على أني آتيكم من عنده {أني أخلق

لكم} (آل عمران: 49) بالتربية والتزكية والحكمة العملية من طين نفوس

المستعدين الناقصين ﴿كهيئة الطير﴾ (آل عمران: 49) الطائر إلى جناب

القدس من شدة الشوق ﴿فأنفخ فيه﴾ (آل عمران: 49) من نفث العلم الإلهي

ونفس الحياة الحقيقية بتأثير الصحبة والتربية ﴿فيكون طيرا﴾ (آل عمران:

49) أي نفسا حية طائرة بجناح الشوق والهمة إلى جناب الحق ﴿وأبرئ الأكمه﴾ (آل عمران: 49) المحجوب عن نور الحق الذي لم تتفتح عين بصيرته قط،

ولم تبصر شمس وجه الحق، ولا نوره، ولم يعرف أهله بكحل نور الهداية

﴿والأبرص﴾ (آل عمران: 49) المعيوب نفسه بمرض الرذائل والعقائد الفاسدة،

ومحبة الدنيا، ولوث الشهوات لطب النفوس ﴿وأحيي﴾ (آل عمران: 49)

موتى الجهل بحياة العلم ﴿بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون﴾ (آل عمران: 49)

تتناولون من مباشرة الشهوات واللذات ﴿وما تدخرون في بيوتكم﴾ (آل عمران:

49) أي في بيوت عيوبكم من الدواعي والنيات. اه.

هذا، وإن صاحب هذا الكلام لا يسميه تفسيرا للقرآن، ولا ينكر التفسير

الظاهر المأثور والمعقول، بل يقول إن هذا تأويل يشير إلى مقاصد روحية وتهذيبية

وفاقا لما ورد من أن للقرآن ظهرا وبطنا. ولكن الباطنية يزعمون أن ظواهر

القرآن التي يقتصر عليها المفسرون خاصة بالعوام غير المرتقين في معارج العرفان

وأن المعاني الباطنة هي المقصودة بالذات، التي يستغني من ارتقى إليها عما

يكلفه العوام من الأعمال والعبادات.

والذي قعد بملحد دمنهور عن شأو كل من كتب في التفسير من أهل الشرع

وأهل الإلحاد، وأهل الظاهر والباطن - هو أنه جاهل بعلوم الجميع، ومستعجل

لاستغلال القرآن بإيجاد تفسير الملاحدة الماديين المتفرنجين، ظن أنه يجد فيهم

عصبية له فيكون إمام المجددين، وقد خاب ظنه فيهم، فلم ينتصر له أحد منهم.

***

ارتداد من يصدق أصول هذا الدين الجديد

وجملة القول في هذه الحواشي (الهوامش) التي دنس المصحف الشريف

المعظم بطبعها عليه أنها إلحاد جديد في كتاب الله تعالى هو أعرق في الجهل

ومحاولة هدم دين الإسلام - من إلحاد الباطنية، فمن صدق تلك الأصول التي

أجملناها كلها أو بعضها يحكم بارتداده عن دين الإسلام بإجماع المسلمين، ولا يجوز

لامرأته المسلمة أن تعاشره معاشرة الأزواج، ولا يرث المسلمين ولا يرثونه،

ونحن لا نخشى أن يتبعها جماعة تتألف منه ملة جديدة كالبابية والبهائية أو الأزلية،

ولا فرقة مارقة مع التمسك بأركان الإسلام الخمسة كالمسيحية القاديانية، وإنما

نخشى أن ينتشر هذا المصحف فيظن بعض الجاهلين بأصول الدين وعقائده أنه

تفسير لبعض آيات القرآن فيعلق بأذهانهم بعض ما فيها من العقائد الفاسدة أو بعض

تحريف آيات الأحكام المخالف لإجماع المسلمين. فهذا أهم ما حملنا على كتابة هذه

ونشرها في الأهرام التي هي الآن أوسع الجرائد انتشارا. فنحن نجزم بأن بيع هذا

المصحف حرام، واقتناءه حرام، إلا لعالم قادر على تفنيد ما فيه من الكفر

والضلال، ونعتقد أن جميع علماء الإسلام يوافقوننا في هذا.

هذا، وإنه قد جهر بهذا الفكر في وقت سئم فيه العالم المدني من مفاسد

الأفكار المادية، وضعف الحياة الروحية الدينية، وتألفت كتب وتأسست جمعيات

في أوربة وأمريكة لإحياء العقائد الدينية، وسنحت الفرصة لعلماء المسلمين

الحكماء العارفين بحال هذا الزمن لعرض هداية القرآن الوسط الجامعة بين الحياتين

الجسدية والروحية على العالم المدني، وإقناعهم بأنها هي التي تخرجهم من هذه

الفوضى المادية والأدبية، والأخطار الاستعمارية والبلشفية، التي يخشى أن تدعهم

دعا إلى حرب عامة أخرى تدمر هذه الحضارة وتقضي على أهلها.

وقد فصلنا هذا في المنار وتفسيره وجزمنا - تبعا لأستاذنا الإمام - بأن العالم

المدني كله سيتبع هداية القرآن ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ (ص: 88) .

وقد ضاق المقال عن بيان جهل هذا الملحد بالسنن العامة والاجتماعية التي

يتوكأ عليها في هدم الدين، فوجب أن نخصه بمقال آخر هو مما يهتم به جميع

المتدينين. اه.

(المنار)

أرسلنا هذه المقالات إلى جريدة الأهرام التي فتحت باب الخوض في هذه

المسألة على مصراعيه في وقت عطلت فيه جرائد المسلمين اليومية لأسباب سياسية

محلية، ولكن الأهرام أبطأت في نشرها، حتى أن المقالة الثالثة الأخيرة قسمت

متفرقة في زهاء ثلاثة أسابيع، ولم يعتن بتصحيحها ولا تصحيح ما قبلها فيكثر فيها

الغلط والتحريف والسقط.

وقد علمت أن بعض علماء الأزهر وغيرهم حفظوا نسخ الأهرام التي نشرتها

ولابد أن يستغنوا عنها بالمنار، ومن لا يقتني المنار ينبغي له أن يصحح ما نشر

في الأهرام بالمقابلة عليه. وليعلم القراء أن هذا الملحد هو محمد أبو زيد الذي كان

دخل مدرستنا دار الدعوة والإرشاد وكنت كتمت اسمه حياء من خزيه وعاره، ولكن

قال لي الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر: وماذا عليك من ذلك وقد ارتد أحد المسلمين

الأولين ممن كتبوا الوحي عن الإسلام فلم يضر ارتداده الإسلام ولم يشوه المسلمين،

وقال غيره من إخواننا إن الله تعالى قال في كتابه - وهو الهدى للمتقين -:

{يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله

من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم

الخاسرون} (البقرة: 26-27) وهذا الرجل المخذول منهم، هداه الله.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣١ · الصفحة ٧٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣١ · ص ٧٥٣