مسألة التجنيس الفرنسي
أتى على دولة فرنسة قرن كامل منذ تم لها الاستيلاء على قطر الجزائر
الإسلامي، وهي تدبر المكايد لتحويل أهله عن دينهم، وكان الطريق المعبد لها
ولغيرها من دول الإفرنج الدعوة إلى النصرانية التي يسمونها (التبشير) ولهم فيها
فنون وشؤون، والتعليم المدرسي، وهو قسمان تبشيري وإلحادي، والتعليم لا يفيد
إلا في الأحداث، لذلك ابتدعت فرنسة طريقين آخرين لتحويل المسلمين الكبار
الراشدين عن الإسلام، آخرهما انتزاع شعب البربر المسلم من الإسلام بالقوة
العسكرية القاهرة، وهو قريب العهد، وأولهما تجنيسهم بجنسيتها الذي يكون
لصاحبه جميع ما للفرنسي الأصلي من الحقوق القانونية وعليه ما عليهم.
وهو موضوع حديثنا في هذا الفصل، ومقتضى هذا التجنيس أن يمرق المسلم
من جنسيته الإسلامية ويؤثر أحكام القانون الفرنسي على أحكام كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم في النكاح والطلاق والإرث وغير ذلك، وهو ارتداد
عن الإسلام صريح لا يحتمل التأويل، ولذلك لم يكن يقدم عليه إلا من لا حظ له من
الإسلام إلا التسمية بالأعلام التي لا تزال خاصة بالمسلمين كمحمد ومحمود
ومصطفى، وإنما يقدم عليه من غير المارقين المنافقين من لا يعلمون في الغالب
أنهم يكونون به كفارا خالدين في جهنم، فإن سلطان الإسلام على قلوب البشر يمنع
أجهلهم بعقائده وأحكامه أن يؤثر عليه غيره، ويرتد عنه ارتدادا يكون به عدوا لله
ورسوله صلى الله عليه وسلم ويحرم على المسلمين أن يزوجوه مسلمة وأن يدفنوه
في مقابرهم، حتى لا تجاور روحه النجسة أرواح موتاهم الطاهرة، فكان الجاهل
بهذه الأحكام وبما هو أشد منها في الإسلام يرى بأنه يمكنه أن يتجنس بالجنسية
الفرنسية ويظل مسلما، وأن هذا ليس إلا ذنبا يمكن أن يغفره الله له بالكفارات
وغيرها؛ لأنه لم يرغب فيه إلا ليدفع عن نفسه ظلم حكومته للمسلمين وإرهاقها لهم
في أمور دينهم ودنياهم، ويتمتع بمساواة الفرنسيين في حقوقهم، على أن هذه
الحقوق لا تكون تامة له، وإن عادى المسلمين، وعبد المسيح وأمه والقديسين، أو
كفر كملاحدتهم بالله وملائكته وكتبه ورسله أجمعين.
ثم إن فرنسة أدخلت خديعة التجنيس في المملكة التونسية منذ عشر سنين كما
ذكرنا مخالفة في ذلك شروط الحماية المعقودة بينها، وبين حكومة باي تونس ومنها
المحافظة على جنسية التونسيين الإسلامية، ولكنها رأت أن الذين يقبلون جنسيتها
من أهل تونس أقل ممن يقبلونها من أهل الجزائر؛ لأن التونسيين أعلم بأحكام
الإسلام من الجزائريين، ولهم حكومة ملية صورية، فحاولت حمل الناس عليه بقوة
السيطرة الرسمية، فخذلت إذ كان فعلها إيقاظا للشعب كله، فهب يدافع عن دينه،
فقاومته حكومة الحماية بقوتها، وقوة الحكومة المحلية التي هي آلة بيدها، فلم تزده
القوتان الرسميتان إلا شجاعة وإقداما وثباتا، سنة الله في يقظة الشعوب من رقادها
بالاضطهاد والقهر.
دفنت السلطة متجنسا بعد آخر في مقابر المسلمين بالقوة العسكرية، وبنت
قبورهم بالأسمنت والحديد كما تبني الحصون الحربية، وجعلت لها حرسا من الجند
شاكي السلاح، فدرى بالكارثة من لم يكن يدري من العوام والخواص، ففهم الشعب
المؤلف من ميلوني مسلم أنه يراد إخراجه من دينه بالقوة القاهرة، فهاج هيجة عامة
لم يبال فيها ما تكون العاقبة، قيل له: إن الحكومة أصدرت فتوى شرعية من
شيخي الإسلام شيخ الجامع الأعظم، وهو المفتي المالكي ومفتي الحنفية فزاده ذلك
هياجا؛ لأن مسألة ارتداد المتجنس بالجنسية الفرنسية صارت عنده من المسائل
المعلومة بالضرورة لما سبق لنا ولغيرنا من الإفتاء بذلك من قبل ولإفتاء بعض
علمائهم وعلماء الشرق في هذا العهد، والشعوب الإسلامية لا تقيم وزنا للعلماء
الرسميين الذين يرونهم آلات في أيدي الحكومات الإسلامية، ولا سيما الخاضعة