تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جوابا مقنعا للمستقل في الفهم. فالشمس طالعة في كل وقت لا تغيب عن الأرض

طرفة عين كما هو معلوم بالمشاهدة علما قطعيا لا شبهة فيه، فإذا قلنا إنها يصدق

عليها مع ذلك أنها ساجدة تحت العرش لأنها خاضعة لمشيئة الله تعالى ولأن كل

مخلوق هو تحت عرش الرحمن، إذا قلنا هذا أو أنه تمثيل لخضوعها في طلوعها

وغروبها وهو أقرب، فهل ينطبق على السؤال والجواب انطباقا ظاهرا لا مراء فيه؟

اللهم لا.

(ولكن هذا النوع من الحديث على ندرته في الصحيح قد يخرج بعضه على أنه

من باب الرأي في أمور العالم. والأنبياء لا تتوقف صحة دعوتهم ونبوتهم على العلم

بأمور المخلوقات على حقيقتها ولم يقل أئمة الدين إنهم معصومون فيها كما يدل عليه

الحديث الصحيح في تأبير النخل، ولكن يستثنى الأخبار عن عالم الغيب فهم

معصومون فيه) اه.

هذه هي عبارتنا بنصها وفصها التي استند إليها البهات المحرف في اتهامه إيانا

برد حديث عمر في رجم الشيخ والشيخة وأنه كان آية من القرآن ورد حديث سحر

اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس وتكبيره للأمر بأنها

وردت في الصحيحين، ونحن إنما ذكرنا هذه الأحاديث وغيرها كحديث المعراج

وحديث صلاة الكسوف وحديث خلق السموات والأرض في سبعة أيام من باب

التمثيل للأحاديث المشكلة التي تتعلق بموضوع المناظرة التي حكمنا فيها بما بينا به

مزية الصحيحين وأن ما انتقده المحدثون والمتكلمون والفقهاء وردوه من أحاديثهما

قليل لا ينافي تفضيلهما على غيرهما، وقد ذكرناها بموضوعها لا بنصوصها بل

لم نذكر حديث عمر في الرجم مطلقا؛ لأن المقام مقام التمثيل لما انتقده بعض

المتناظرين بالإجمال، ولم نذكرها لاستئناف انتقاد عليها أو استشكال لها من عند

أنفسنا، ولا لأجل الأجوبة عنها فإن هذا قد بيناه في مواضع أخرى من المنار

وتفسيره، ولكل مقام مقال، من تفصيل وإجمال، وهذا معهود في جميع الكتب،

فكيف ينكر مثله الصحف؟ ولكن باغي العنت بطرق المغالطة في الجدل، يجعل

حكاية خصمه لقول مذهبا له، وسكوته عن بيان شيء في غير موضع البيان حجة

عليه فيما بينه في موضعه مع تجاهله ذلك البيان، وياليت محرر مجلة الأزهر

يكتفي بمثل هذه المغالطة ولا يفتري عليه الكذب البواح ويرميه بالبهتان.

وقد صرحنا في ذكر حديث الشمس بأن وجه الإشكال فيه هو مخالفة الواقع

المشاهد له وهو كون الشمس طالعة دائما لا تغيب عن الأرض طرفة عين، لا

السجود الذي زعمه وافترى علينا تكذيبه، على أن شراح الصحيحين وغيرهم

استشكلوا الأمرين وأجابوا عنهما بما سنذكره بعد، ونحن صرحنا بأن الشمس يصدق

عليها أنها ساجدة تحت العرش دائما بالمعنى الذي أثبت القرآن فيه سجود كل شيء لله

عزوجل من الكواكب والشجر والنبات وغير ذلك، وذكرنا توجيها آخر لسجودها

وهو أنه (تمثيل لخضوعها في طلوعها وغروبها لمشيئته تعالى) وهو عين المراد من

قوله تعالى عن السموات والأرض ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ (فصلت: 11) الذي قال

المفتري أنه كان في استطاعتنا ولم نفعله لأن اللغة ضاقت علينا، فلم تضق علينا سعة

اللغة بل ضاقت عليه سعة الصدق فافترى علينا، ولكننا قلنا أن سجود الشمس بهذا

المعنى أو ذاك لا يرفع الإشكال بمخالفة مضمون الرواية للمعلوم بالقطع من مشاهدة

وأدلة علمية على كونها لا تغيب عن الأرض كلها طرفة عين.

وقال العلماء قبلنا مثل قولنا كما سنبينه في المبحث السابع من هذا الرد وأما

قولنا: (ولكن هذا النوع من الحديث على ندرته في الصحيح قد يخرج بعضه على

أنه من باب الرأي في أمور العالم) إلخ فالمراد به النوع المخالف للواقع المشاهد،

ولا تدل العبارة على أن حديث الشمس المذكور من هذا البعض، بل تدل على أنه

ليس منه من وجهين، أحدهما: أنني قلت أنني سئلت من قبل بعض علماء تونس

عنه، وأنني إلى الآن لم أجب عن هذا السؤال لأنني لم أجد جوابا مقنعا للمستقل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٤٣