مشيخة الأزهر.
أما كاتب المقال فقد سبق له مثل هذا التصدي للتعدي منذ 16 سنة فلم أكترث
له، ولا رأيته أهلا للرد عليه، فهو غير كفؤ للمبارزة بعلم ولا أدب ولا بصدق في
القول ولا أمانة في النقل ولا إخلاص في النية، وأما مشيخة الأزهر فهي كفؤ
لمنازلة المنار، بغير هذا الفارس العاجز المغوار، ولا يشعر صاحبه بأقل ضعف
عن هذه المنازلة في حدود العلم والدين وآدابه؛ ولكنه في منتهى الضعف والعجز
عن كتابة جملة واحدة من أمثال هذا المقال الذي افتتحت الحرب به، وله - إذا ولاها
الدبر - أسوة بجده علي أمير المؤمنين حين تولى عن عمرو! على أنه رأى وجوب
التروي في النضال العلمي حتى يعلم تعمد المشيخة له.
بدأت بكتابة مقال في الدفاع عن حقي وحق القراء الذين اطلعوا على الطعن
علي في تلك المجلة ليعلموا ما عندي من الدلائل على تفنيد الافتراء علي، والقول
الحق في التهم التي نسبت إلي، وأرسلت المقال إلى رئيس تحرير المجلة، ولزيادة
التحري سألت صاحب الفضيلة مفتي الديار المصرية عن هذا الحدث الجديد لثقتي
بعلمه وصدقه وإخلاصه على قلة الجامعين لهذه الفضائل الثلاث، سألته بالمسرة
(التلفون) هل رأيت الجزء الجديد من مجلة المشيخة؟ قال: لا، قلت: انظره فإن
فيه كيت وزيت، ثم علمت أنه قرأ المقال فتفظعه، ففزع به إلى شيخ الأزهر
فأفزعه بموافقته إياه على استنكاره، ووجوب تلافيه بالسعي إلى الصلح بين
الطاعن والمطعون، والاتفاق بين الغابن والمغبون، فبادر المفتي إلى هذا السعي
الحميد الموافق لطبعه وكاشفني بذلك بالمراسلة فالمكالمة بالمسرة فزيارتي للمشافهة
بذلك في دار المنار، وأكد لي خبر استياء الأستاذ الأكبر كاستيائه مما حصل
ورغبته في الصلح، وإعطائي الحق في الدفاع عن نفسي في مجلة نور الإسلام،
على الوجه الذي ارتضيته لنفسي من نفسي وهو اجتناب الطعن الشخصي في كاتب
المقال بمثل طعنه علي ولا بما هو دونه، وذلك بأن أذكر التهم التي اتهمني بها
وأرد عليها، واقترح أيضا أن أنقح مقدمة المقالة التي أرسلتها إلى المجلة فوعدته
بذلك، وقال: إنه هو والأستاذ الأكبر يكفلان إرضاء الطاعن بالصلح، وحمله على
كتابة شيء يرضيني، قلت: إن ذلك خير له ولمشيخة الأزهر ومجلتها، وهو لا
يهمني.
أرسلت مقالة الرد إلى رئيس تحرير المجلة المذكورة في 14 جمادى الأولى
وتلاه السعي إلى الصلح إلى أن دخل الشهر الذي بعده وقد صدرت في غرته المجلة
وفيها مقالة أخرى في الطعن على صاحب المنار، وقد كثرت في الشهر مكاتبة
الناس إياي بوجوب الرد على هذه المجلة وجاءتني مكتوبات في ذلك من مصر ومن
الحجاز بعضها في الرد وبعضها في انتظار الرد مني، وأنشأ بعض العلماء يردون
عليها في الجرائد، وأنا لا أزال أنتظر ثمرة سعي الأستاذ المفتي إذ وعدته بالإمساك
عن النشر فيها إلى أن تظهر لي النتيجة لهذه المقدمات، وقد تأخر إصدار هذا
الجزء إلى أن ظهرت نتيجة الصلح بنقض الخصم له يوم عقده وبقيت نتيجة ما
يضمره شيخ الأزهر من خبيء في المسألة فهي خبأة طلعة وقد شرعت في الرد
على مجلتها، فلينتظر قراء المنار الجزء الآتي.
ولي أن أقول الآن إن هذا الطعان الشيخ يوسف الدجوي لجدير بلقب صديقه
وإمامه المرحوم الشيخ يوسف النبهاني؛ ولكن النبهاني كان يفوقه في الأدب، وهذا
يفوقه في السباب والمراء والجدل، فهو من الذين قال فيهم الأستاذ الإمام: (إنهم
يتعلمون كتبا لا علما، وإنه لم يبق عندهم إلا تحاور في الألفاظ أو تناظر في
الأساليب في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور) وهو لم يحذق
شيئا من تلك الكتب التي حذقها كثيرون منهم؛ ولكنه حذق شيئا آخر ما أسف إليه
أحد منهم فيما نعلم وهو ما يجد الناس نموذجه في مقالاته الدالة على أنه ليس له
أدنى حظ من العلوم التي يجادلنا في مسائلها وهي التوحيد والتفسير والحديث والبدع