تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقط إن فرض الأول، وبطلانه ظاهر، فوجب أن يكون السبب وراء جملة

الممكنات (أي غيرها) والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب، إذ ليس وراء

الممكن إلا المستحيل والواجب، والمستحيل لا يوجد، فيبقى الواجب فثبت أن

للمكنات الموجودة موجدا هو واجب الوجود) .

ثم أورد البرهان من وجه آخر أخصر وأدق من هذا، وقد علم من هذا وما

قبله من مقدماته وما بعدها من الكلام في الوجود الواجب، وما ثبت لواجب الوجود

عز وجل وحده من القدم أنه يستحيل أن يقول صاحب هذه البراهين إن المادة قديمة

أزلية، وإن المعقول أن يكون السبب في فهم مستر بلنت ما ذكر منه هو ما فصلناه،

أو يكون الكلام في القدم اللغوي، أو الإضافي، وهو قدم عناصر المادة على

مركباتها.

ولكاتب هذا المقال طريقة غير طريقة شيخه الأستاذ الإمام الفلسفية في إثبات

حدوث المادة في مناظراته للقائلين بقدمها جدلا أو اعتقادا بينتها في مواضع من

مجلة المنار منها مناظرة بيني وبين صاحبي المقتطف منذ ثلث قرن تقريبا،

ملخصها أن جميع ما نعرفه من هذا العالم العلوي والأرضي حادث بالاتفاق بين

العلماء؛ ولكنهم يتخبطون في تصور تكوينه وتصويره بصورة معقولة، ولا يزالون

مجمعين على أن منشأ الكون ومصدره الأول مجهول الكنه مع الجزم بأنه موجود ذو

قوة أو حكمة يدل عليهما النظام العام في جملته وفي كل نوع من أنواعه، أو جنس

من أجناسه، وهو ما نعبر عنه بالسنن أو النواميس، وهذا الموجود المجهول كنهه

وحقيقته المعلومة صفاته بما يدل عليها من العالم، هو الذي نسميه نحن بالاصطلاح

العلمي واجب الوجود، وبالاصطلاح الديني (الله رب العالمين) .

هذا وإنه قد ثبت عند علماء المادة أن عناصرها البسيطة قد يتحول بعضها إلى

بعض كتحول غاز الراديوم إلى عنصر الهليوم وفاقا لنظرية وحدة المادة في الأصل،

ونظرية من قال من فلاسفتنا وفلاسفة اليونان إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد

تقريبا.

ثم ثبت أخيرا أن القوة تتحول إلى مادة أو تصدر عنها مادة، ومن المعلوم أن

كنه المادة وكنه القوة مجهولان، وكنه القوة أعرق في الخفاء من كنه المادة، فصح

لنا معشر المؤمنين بأن الله تعالى خالق كل شيء أن نقول لهؤلاء الماديين إن هذه

القوة التي صدرت عنها المادة هي قدرة الله تعالى، وهي عندنا مجهولة الكنه، كما

أن ذات الخالق تعالى مجهولة الكنه [2] .

وقد بينت هذا البحث في مقال طويل عنوانه (السنن الكونية والاجتماعية

ونظام الكون) نشرته في الجزء الأول من مجلد المنار، مجلد هذا العام قلت فيه ما

نصه:

وما لي لا آتي إلى أساس هذا الكون والسنن التي قام بها تكوينه في الأطوار

المختلفة، ألم يكونوا يقولون إنه مؤلف من مادة ذات عناصر بسيطة وقوة هي منشأ

التركيب الذي حدثت بها الصور المختلفة في العالم كله.

قد هدم هذا الأساس إن لم يكن بما ثبت من تحول عنصر إلى عنصر، فيما

ثبت من أن ما نسميه المادة والقوة اصطلاح لا تعرف له حقيقة، وإن هذا الوجود

الذي نعرفه في أرضنا وسمائنا ليس سوى مظهر من مظاهر تموجات الكهرباء،

وإن كل ذرة من ذراته تتألف من كهارب سلبية تدور حول كهرب إيجابي

(والكهرب هو الوحدة من الكهرباء) وهذه الكهارب لا يمكن أن يقال إنها مادة، ولا

إنها قوة؛ وإنما حقيقتها مجهولة، إلى أن قلت:

فإذا كانت المادة تصدر عن القوة كما قالوا (أولا) فما المانع من القول بأن

هذه القوة هي قوة الله وقدرته؟ وإذا كان الوجود الممكن كله مظهرا من مظاهر

تموجات الكهرباء المجهولة الكنه كما قالوا (أخيرا) فأي بعد بين قولهم هذا وقول

أتباع الوحي: إن الوجود الممكن الظاهر صادر عن الوجود الغيبي الباطن؟ وقول

الله تعالى يصف نفسه: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ (الحديد: 3) .

-----------------

<span class="footnote">

(1) نشرنا هذه المقالة في جريدة كوكب الشرق الغراء في 12 من شهر جمادى الأولى سنة 1351 ردا على حديث لمستر بلنت مع الأستاذ الإمام فهم منه أن الأستاذ قال له: إن المادة قديمة.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٥٩