من ملوكهم وشعوبهم، ورؤساء دينهم ودنياهم، وما زال علماؤهم ومؤرخوهم
يجلونه وينوهون بفضائله، ولم تنس سورية ما كان من عاهل ألمانية الأكبر عند
زيارة ضريحه في دمشق من إجلاله له، ووضع ذلك الإكليل على قبره.
رأوا أن سلطان المسلمين خادم للأمة، لا يتعدى سلطانه عليها تنفيذ الشريعة،
فلا سلطان له على أموال الناس ولا على دمائهم ولا على نسائهم، ولا تحكم له في
أنفسهم ولا في شرفهم فضلا عن عقائدهم وآرائهم، بل هو أرفق بهم من آبائهم
وأمهاتهم وأولي أرحامهم [2] .
رأوا أن المسلمين أحرار في دينهم وضمائرهم، ليس عليهم سيطرة باباوية ولا
كنسية فيها، على خلاف ما كان عليه ملوك أوربة ورؤساء الدين فيها من استبداد
في الأحكام، واستعباد للناس، رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم وعلموا باختبارهم أن
كل ما هاجتهم به الكنيسة لقتال المسلمين من الخطب والقصائد والأناشيد فهو كذب
وبهتان، ورأوا أن النصارى يعيشون مع المسلمين كالإخوان، لهم ما لهم، وعليهم
ما عليهم، بل لهم أكثر مما عليهم، فلما انقلبوا مغلوبين على أنفسهم في الحرب،
رجعوا عليها باللائمة، وشعروا بحاجتهم إلى تقليد المسلمين والاقتداء بهم في عدل
حكامهم وحرية شعوبهم، وتقييد تلك السلطة المطلقة والسيطرة المقدسة اللتين
استذلتاهم، فكان انكسارهم في معارك النزال هو الحافز لهممهم، والمثير لأفكارهم
والمرشد لهم إلى الإصلاح السياسي والديني، وما يتوقف عليه من استقلال العقل،
وحرية العلم، فتحولوا عن جهادنا إلى جهاد أنفسهم.
جاهدونا عدة أجيال، ثم جاهدوا ملوكهم وكنيستهم عدة أجيال، وطفقوا
يترجمون كتب حكمائنا وأطبائنا وفقهائنا وأدبائنا، يثقفون شعوبهم بها، على حين
كنا نعود القهقرى بتخريب الأعاجم لبلادنا، ودكهم لمعاقل قوتنا، وتقويضهم
لصروح حضارتنا، وإغراقهم لكتب أئمتنا، ثم بقضائهم على سلطان خلافتنا،
وإضعاف لغتنا وإماتة علومنا، وإذلال نفوسنا بسلطة عسكرية قاهرة استنزفت ثروة
عمراننا، وألحقتنا بمنابت الشيح والقيصوم من جزيرتنا.
هذا وإن هؤلاء الأوربيين لم ينسوا عداوتنا معشر العرب، فقد كانت لنا عدة
ممالك عربية، في شطر أفريقية الشمالي قضوا على استقلالها كلها بأسماء مختلفة،
حتى أنهم كانوا هم الحائلين دون تأسيس السلطنة (الإمبراطورية) العربية التي
شرع فيها محمد علي الكبير في مصر وسورية والسودان، وأكرهوه على أن يظل
خاضعا للسياسة العثمانية عدوهم الكبرى في الشرق؛ لعلمهم أنها سائرة إلى
الانحلال والاضمحلال، وأن الدولة المصرية الجديدة حية داخلة في سن الشباب،
ثم ما زالوا يتربصون الدوائر بالدولة العثمانية إلى أن تم انحلالها في الحرب العامة
الأخيرة، فكان حظهم من انحلالها الاستيلاء على ولاياتها العربية، والاعتراف
باستقلال ولاياتها التركية وحدها، وإعلان الحماية على مصر العربية، ولما
اضطرتهم الثورة المصرية إلى إلغاء هذه الحماية والاعتراف باستقلال مصر قيدوا
ذلك بقيود تجعل الاستقلال اسما لغير مسماه اللغوي والسياسي، وعجلوا بالاستئثار
بالسودان كله، فطردوا منه موظفي الحكومة وضباط الجيش من المصريين، حتى
أن حاكم السودان الإنكليزي لم يسمح لحكومة مصر بتولية ملكها لقاضي السودان
الشرعي، على أنهم لولا مساعدة مصر والحجاز العربيتين لهم في الحرب، لكان
النصر فيها للألمان والترك، ولزال الاستعمار البريطاني والفرنسي من الأرض.
فعلم من ذلك كله أن دول أوربة العسكرية الاستعمارية تعد الأمة العربية أعدى
أعدائها في الشرق، وأن وجودها فيه ذنب لا يقاس به ذنب؛ ولذلك جزتها على
مساعدتها لها على قتال الترك بما تعلمون وتشاهدون، وتسمعون وتذوقون؛ وإنما
تشاهدون ظلما لا يصبر عليه إلا عير الحي والوتد، وتسمعون من النذر ما يدل
على أن المستقبل المعد لكم، شر من الحاضر الذي يعنتكم، وتذوقون من مرارة