فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} (سبأ: 37) .
نقل هذا المؤلف جملة مما كتبناه في التفسير من التفرقة بين الربا المحرم
بنص القرآن القطعي، وما ثبت منه بروايات الآحاد الظنية وأقيسة العلماء، وهو
يتضمن ما أجمع عليه العلماء من أن الربا حرم بعد الهجرة بآية آل عمران وآيات
البقرة ورد علينا بزعمه أنه حرم في مكة بآية سورة الروم، وقرر الاستدلال بقوله:
(وقد تقرر في علم الأصول أن لفظ (ما) من صيغ العموم ولا شك في أن
الربا ذكر في آية الروم بلفظ منكر مبينا للفظ ما يشمل كل نوع يسمى ربا) .
ثم ذكر أن السنة الصحيحة لم تبين أنواع الربا، ولكن الأئمة استنبطوا من
الأحاديث التي صحت عندهم جميع الأنواع، فإذا كان القرآن بينها كلها فأي حاجة
بعد لاستنباط الأئمة لها من الأحاديث؟
الحق الواضح أن آية سورة الروم لا تدل على تحريم الربا مطلقا، فعموم
لفظها وعدمه سواء. وقد نقل المفسرون أنها نزلت في الهدايا والعطايا التي يرجو
باذلوها أن يعطوا من المقابلة عليها أكثر منها، رووا هذا عن ابن عباس ومجاهد
وسعيد بن جبير والضحاك ولفظ الأخير في تفسير الآية: هو الربا الحلال أن
تهدي تريد أكثر منه، وليس له أجر ولا وزر، ونهي عنه النبي صلى الله عليه
وسلم خاصة فقال: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (المدثر: 6) قال في الدر المنثور بعد
إيراده: وروى البيهقي في سننه عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن
محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية قال: الرجل يعطي الشيء ليكافئه
به ويزاد عليه فلا يربو عند الله، والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله ولا يريد من
صاحبه جزاء ولا مكافأة فذلك الذي يضعف عند الله تعالى. اه.
فعلى الأستاذ الشيخ رضوان أن يدقق في البحث ويطلع على الروايات ومسائل
الإجماع ومدارك الخلاف، قبل أن يتصدى للحكم الاستقلالي الاستدلالي في
الشرع.
***
(الإسلام دين عام خالد)
كتاب جديد للكاتب الاجتماعي المشهور الأستاذ محمد فريد أفندي وجدي
مؤلف من مقالات نشرها في جريدة الجهاد السياسية اليومية ثم جمعها في سفر بلغت
صفحاته 190 صفحة من القطع الصغير، وصفه بقوله عنه (تحليل دقيق لأصول
الدين الإسلامي تحت ضوء العلم والفلسفة) وقد جاءنا نسخة منه في البريد والعهد
بصحابه أنه غضب علينا لانتقادنا بعض كتبه منذ ربع قرن أو أكثر، فما عاد يهدي
إلينا شيئا من مصنفاته على ما كان بيننا من تعارف وتآلف منذ السنة الأولى من
هجرتنا إلى مصر (سنة 1315) بل كتب مقالات شديدة في الطعن علينا: ونحن
قد أمسكنا عن الرد على ما نراه أحيانا من الخطأ في كتبه، وفيما ينشره في الجرائد
لئلا يتخذ انتقادنا وسيلة للجدل المذموم أو لما هو شر منه، وإن أدري أهو الذي
أهداني هذا الكتاب الجديد لثقته بأنه قد حرره واجتنب فيه الآراء الشاذة المنتقدة عند
أمثالنا من المشتغلين بالإصلاح الديني والتجديد الإسلامي وهو الأرجح، أم أرسله
إلينا غيره ممن يحبون الوقوف على رأينا فيه، وأيا ما كان المرسل والباعث على
الإرسال فقد صار من الواجب علي أن أقرظ الكتاب وأبين لقراء المنار خلاصة
رأيي فيه وفي صاحبه، على أنني لم أقرأ الكتاب بعد، وإنما أبني كلمتي المجملة
فيه على ما قرأته منه في جريدة الجهاد، وقد أراجع ذلك فيه للتثبت، وربما كان
هذا الإجمال هو الذي يضطرني إلى مطالعته، والتفصيل في نقده عند سنوح
الفرصة.
إن الأستاذ فريد أفندي وجدي كاتب سيال القلم في المباحث الاجتماعية
والمدنية الإسلامية، شديد التأثر والإعجاب بالفلسفة العصرية ومذهب استحضار
الأرواح، ولكنه مضطرب متناقض في كل ما كتبه عن الإسلام لقلة علمه بأصوله
وفروعه وكتابه وسنته وتشريعه، ومن أظهر هذا العلم الناقض المضطرب أنه يأخذ
رواية شاذة ظنية رجع عنها صاحبها في فرع خاص من الفروع العملية الظنية