الإسلامي من الناحيتين، فيقف على سواء الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله
عليهم من سلف الإسلام الصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين (وسنبسط
هذه المسائل في هذا العام إن شاء الله تعالى) .
وقد اقترح المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في بيت المقدس في العام الماضي
إنشاء جامعة إسلامية هنالك، ورأينا المجلس الإسلامي الأعلى فيه قد خصص لهذه
الجامعة مبلغا صالحا من ريع الأوقاف الإسلامية وفندقا عظيما من مبانيه الجديدة
تقدر قيمته بمبلغ مائة ألف جنيه، فإن وفق كل قطر إسلامي لمساعدته كان مبدأ
رجاء عظيم في النهضة الإسلامية العلمية تفوق ما في سائر الأقطار، ولكن فلسطين
لا تصلح مركزا للنهضة الإسلامية العامة في العلم والعمل والتشريع والسياسة.
المركز الطبيعي لتجديد الإسلام:
قد علم مما تقدم أن الإسلام الذي عرفته لكم في أول هذه الذكرى لا يوجد له
في هذا العصر دولة تقيمه وتكلفه وتجدد قوته وعدله، ولا شعب يهتدي به وينشره
وينهض بحضارته، ولا مدرسة تربي النشء عليه وتعلمه وتناضل عنه، وجمعيات
غنية تجدده وتظهر للأمم الحية علويته، وما فيه العلاج لأدواء البشر في حضارتهم
المادية الحاضرة من دينية واجتماعية ومالية وحربية بحيث تقوم حجته ناهضة ماثلة
للأبصار.
وأما المركز الطبيعي الحقيق بالتجديد الإسلامي من جميع أنحائه فهو هو
المركز الذي أشرق منه نور الإسلام، فكان من تأثير نوره في العالم ما أشرنا إليه
في أول هذه الفاتحة، وهو الحجاز وسياجه من جزيرة العرب، هذا المركز الأول
للإسلام هو المركز الأخير له، الذي حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم على غير
أهله، وأوصى بذلك قبيل موته، ليكون هو المأرز والمعقل لهم عندما تتداعى عليهم
الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها كما أنبأنا النبي صلى الله عليه وسلم وبينا ذلك
بالتفصيل مرارا، ولكن هذا الاستعداد المركزي لتجديد الإسلام في جزيرة العرب
يجهله أهلها كما يجهلون ما في باطن أرضها من المعادن، بل هم يجهلون استعدادهم
أنفسهم ومبلغ قوتهم وما يجب عليهم وما يمكنهم فعله كما يجهلون وسائل استخراج
معادنهم والانتفاع بها.
في جزيرة العرب مئات الألوف من المسلحين المستعدين للحرب بنفقة قليلة لا
يزال يقاتل بعضهم بعضا، أفلا يمكن وضع نظام عسكري لهم يحفظون به استقلالهم
ويكونون به إلبا واحدا على العدو المعتدي على جزيرتهم عند الحاجة؟
إن بلاد اليمن ونجد وداخل عمان يمكنها الاستغناء عن جلب القوت من
الخارج في أثناء الحرب العامة أو الخاصة، ويمكن الاستعداد لتموين الحجاز منها
ومن سورية والعراق، وإغناؤه عن البحر في تلك الأثناء، ولكن الخطر على
سائر البلاد العربية من قبل الحرب المتوقعة أشد؛ لتغلغل النفوذ الأجنبي فيها
وخلوها من قوة الدفاع عن نفسها، بيد أن أكثر أهلها غافلون عن أنفسهم، وآخرون
مشغولون بشهواتهم وتنازعهم الداخلي عن التفكر في مستقبلهم الخاص، فأنى
يستعدون لحفظ معقلهم ومأرزهم، ومستقبل دينهم وملتهم، الذي يجب على جميع
مسلمي الأرض مساعدة العرب على تجديد روح الإسلام وتشريعه وملكه فيه.
ألا إنه ليوجد في أهل البصيرة وعلم الحياة وحالة العصر من المسلمين من
يعرف كنه هذا الاستعداد كما يعرفه ساسة الإفرنج، ولا سيما الطامعين منهم الذين
يتخذون الوسائل لقطع الطريق عليهم دون الانتفاع، فعلى هؤلاء العارفين أن
يتعاونوا على وضع مشروع له بالمفاوضات السرية يتضمن بيان مسائله وإقناع
أولي الأمر بتنفيذه أو إلزامهم إياه بما لا يجدون عنه محيصا، عليهم أن يعملوا بذلك
قبل أن يتعذر عليهم بتمكن خصومهم مما يحاولونه من تطويق قوة العرب في
جزيرتهم بالالتفاف عليها كما تلتف أفعى (البواء) على بطن الأسد فتزهق روحه
ثم تبتلعه.
هذا هو العلاج الوحيد القريب للخطر على الإسلام، الذي لا تستطيع دول