تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين يخدمون الحجاج في حلهم وترحالهم وطعامهم وشرابهم ومنامهم وتعليمهم

المناسك وصحبتهم في أثناء أدائها، وفي غير ذلك من الزيارات، والطعن في

حكومتهم أيضا مما يخشى أن يكون آية على أن حجهم غير مبرور ولا مقبول عند

الله تعالى.

لهذا رأيت أن أنشر لهم في هذه الأيام من أشهر الحج أثارة تاريخية من حج

المسلمين في القرون الوسطى التي كان حال أهلها في الدين دون حال من قبلهم في

خير القرون، وما كانوا يقاسونه في هذه السبيل سبيل الله من الشدائد والمغارم

راضين من الله محتسبين الأجر عنده؛ لتكون عبرة لمن يتذكر ويخشى الله عز

وجل، ويشكر نعمه على أهل هذا العصر.

***

مشقات الحج ونفقاته

في القرن السادس الهجري

إن العالم الكاتب الشاعر الأديب أبا الحسين محمد بن أحمد بن جبير الغرناطي

الأندلسي قد حج البيت الحرام ثلاث مرات، خرج للأولى من غرناطة لثمان من

شهر شوال سنة 578 ثم ركب البحر من سبتة في مركب للروم الجنويين في 28

منه قاصدا الإسكندرية، وبعد حجه وإلمامه بالعراق فسورية عاد إلى الأندلس في

البحر ولقي فيه أهوالا عظيمة منها انكسار مركبهم. وما وصل إلى بلده غرناطة إلا

لثمان بقين من المحرم سنة 581 وكان في أثناء هذه الرحلة يقيد أهم ما رآه وما

سمعه وما ألم به هو من معه فكان ذلك كتابا حافلا سمي (تذكرة بالأخبار، عن

اتفاقات الأسفار) واشتهر برحلة ابن جبير.

وإنني أنقل منه هنا بعض ما كتبه من خبر إرهاق الحجاج في الإسكندرية ثم

في صعيد مصر وبعض ما كتبه عن جدة ثغر الحجاز الأعظم وأهلها وأمير مكة

وظلم الحاج وإرهاقهم؛ ليكون عبرة لإخواننا المصريين ولسائر المسلمين، فيشكروا

نعم الله تعالى عليهم بما من على عباده من تيسير إقامة هذا الركن العظيم من أركان

الإسلام في هذا العصر وقلة نفقاته.

حال الحجاج في الإسكندرية والصعيد

في القرن السادس سنة 578 ه

قال ابن جبير في حوادث شهر ذي الحجة سنة 578:

أوله يوم الأحد ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية، فمن أول ما شاهدنا فيها يوم

نزولنا أن طلع أمناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه

فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا وكتبت أسماؤهم وصفاتهم

وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض ليؤدي زكاة ذلك كله،

دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل، وكان أكثرهم

متشخصين لأداء الفريضة لم يصطحبوا سوى زاد لطريقهم، فلزموا أداء زكاة ذلك

دون أن يسأل هل حال عليه حول أو لا؟

واستنزل أحمد بن حسن منا ليسأل عن أبناء المغرب، وسلع المركب،

فطيف به مرقبا على السلطان أولا، ثم على القاضي ثم على أهل الديوان، ثم على

جماعة من حاشية السلطان، وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله، فخلي سبيله وأمر

المسلمين بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان

يتوكلون بهم ويحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان، فاستدعوا واحدا واحدا، وأحضر

ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص بالزحام، فوقع التفتيش لجميع

الأسباب ما دق منها وما جل واختلط بعضها ببعض، أدخلت الأيدي إلى أوساطهم

بحثا عما عسي أن يكون فيها، ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم

أم لا؟ وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس؛ لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام،

ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك،

وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين،

ولو علم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق لأزال ذلك وكفى الله

المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه، وما لقينا ببلاد هذا

الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة التي هي من تشدد الدواوين.

ثم قال في الكلام على قوص وغيرها من الصعيد ما نصه:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٧