تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بضغط هولندة عليهم، وأدناها في الصين ومسلموها يزيدون على مسلمي جاوه عددا،

ويفضلونهم حرية وثروة وأدبا، ولكنهم قليل في الوثنيين الذين يزيدون على

أربعمائة مليون، بيد أنهم متفقون معهم على خلاف ما عليه مسلمو الهند مع الوثنيين،

والعلم الديني والدنيوي فيهم أضعف؛ لضعف اتصالهم بالعالم الإسلامي والعالم

المدني معا، وبعد لغتهم عن علومهما، على أن الوثنيين سبقوهم إلى العلوم والفنون

الأوربية؛ لأن الدولة بيدهم، ولو ظهر فيهم مصلحون لما كانت دولتهم عائقة لهم

عن التجديد الإسلامي، بل لأمكنهم حينئذ أن ينشروا الإسلام في بلادهم بسرعة

عظيمة ولأوشك أن تكون لهم فيها دولة ولكن زعامته العامة لا تكون فيها وهي

خاضعة لسلطان غيرها، وبعيدة عن مهد الإسلام وعن الاتصال بأقرب شعوبه

منها، لبعد المسافات وفقد أسباب المواصلات بينها.

(4) العرب أرومة الإسلام الأولى:

(أعني بالعرب: الناطقين بالضاد من عاربة ومستعربة على قاعدة الحديث

النبوي الشريف: (كل من تكلم بالعربية فهو عربي) [3] وهم يملكون شطر قارة

إفريقية الشمالي كله من مراكش إلى مصر، وشطر آسية الغربي ما بين المحيط

الهندى وخليج فارس والبحر الأبيض المتوسط، ويبلغون زهاء مائة مليون) .

لقد كان هؤلاء العرب كلهم أشد شعوب الأرض خضوعا وبذلا للملايين من

الرجال والأموال في سبيل الدفاع عن الدولتين الظالمتين الباغيتين القاهرتين

الكنودين الكفورين اللتين ربحتا الحرب، واستأثرتا بجل مغانمها، وليس من

موضوعنا هنا أن نبين ما جازتا به هذه الشعوب التي جاهدت معها بأنفسها وأموالها

من الخسف والقهر والضغط الاستعماري، فإنما كلامنا في المسلمين أنفسهم وجنايتهم

عليها التي مكنت الطامعين فيهم من مقاتلهم.

احتلت جيوش إنكلترة وفرنسة بلاد العرب الخصبة التي ذاقت وبال الحرب

ونكالها، ولو أمكنها أن تحتل الحجاز ونجدا واليمن وعسيرا لما عفت عنها،

ولكنها باحتلالها للعراق وسورية الجنوبية (فلسطين وشرق الأردن) والشمالية

(سورية ولبنان) قد أحاطت بجزيرة العرب وجعلتها تحت نفوذها، وتمكنت من

حرمان الأمة والملة من تنظيم القوى الكامنة فيها وتوحيدها وتجديد مجد العرب بها.

وأما عرب البلاد الأفريقية الذين بذلوا الملايين من أموالهم ورجالهم في

مساعدة إنكلترة وفرنسة فقد جزتاهم بشدة الضغط والحرمان من حرية الدين والدنيا

بقدر جهل شعوبهم واستكانتها، فأيقظها الضغط في كل قطر بقدره، بما يتوقع

انفجاره حيث يكون على أشده، وسبقت مصر بالثورة لرفض الحماية التي ضربت

عليها فاضطرت إنكلترة للاعتراف باستقلالها، ولكنها قيدته بتحفظات اقتضت بقاء

الاحتلال العسكري فيها، والضغط السياسي عليها، وإيقاع الشقاق بين زعمائها،

ومكنهم من ذلك فساد الأخلاق، وانفصام عروة الدين والإسراف في الشهوات، ولا

غرو فهي قد بدأت بعلوم الدنيا منذ قرن ونيف فقضى عليها التفرنج والتقليد أن

تكون أكلة سائغة للإفرنج، وعلى العلم الديني وأهله فيها بالانحطاط، حتى زال

التشريع الإسلامي العام منها بذلك، وما تجدد فيها من الجمعيات الإسلامية، فكلها

فقيرة ضعيفة لا تساوي قوتها كلها عشر قوة جمعية نصرانية، وأما المجلات

الإصلاحية فلا يبلغ جميع قرائها عشر قراء مجلة واحدة من مجلات المجون

والفجور، ومجلة مشيخة الأزهر تفسد وحدها أضعاف ما يصلح غيرها من

المجلات، بتأييدها وتأويلها للبدع والخرافات، حتى كان هذا سبب ما علم القراء

من حملتنا على مشيخة الأزهر الحاضرة التي لم يصب الأزهر بمثلها من قبل،

وعسى أن تكون آخر محنه فينتهي بها ما مني به من الفتون والصهر! ومدافعة

الإصلاح من أول هذا العصر، فهو في طور انقلاب يتنازعه فيه جمود التقاليد

الخرافية السابق، وجمود التقاليد المادية اللاحق، فهو إما أن يحل به ما حل

بمدرسة دار العلوم من التفرنج، وإما أن يقتحم العقبتين، وينهض بالإصلاح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٤