تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليها، ولكن هذا التقليد فيما ينفع مشوب بما يضر من الإسراف في الشهوات

ونزغات الإلحاد وفوضى الآداب وقد فازت الشعوب الأعجمية الثلاثة بهذا

الاستقلال، أعني الترك والفرس (الإيرانيين) والأفغان.

فأما الترك فقد كونوا من أنقاض الدولة العثمانية التي قوضتها الحرب العظمى

دولة جمهورية مستقلة تعنى أشد العناية بالقوة العسكرية وبالعمران المادي، ولكنها

إلحادية (لا دينية) تزهق روح الشعب الديني، ولا يحيا شعب بغير دين، وروح

الإسلام كامنة في الشعب التركي ستظهر بقوة عظيمة يفجرها الضغط عند انتهاء

حده.

وأما الأفغان فقد شرعوا في عهد الملك السابق أمان الله خان يقلدون الجمهورية

التركية في الإلحاد، وفي تقليد الإفرنج في الحضارة المادية وفوضى الآداب،

فكفاهم الله شره، وأدال لهم منه الملك نادر خان الجامع بين قوتي الحضارة والإسلام.

وأما الفرس (أو الإيرانيون) فهم وسط في هذه الأمر بين الأفغان والترك،

فالشاه الجديد عسكري بالطبع والتربية فهو خير منظم للقوة العسكرية من برية

وبحرية وجوية، وموجه كل همته معها إلى التنظيم المالي وتفجير ينابيع الثروة.

وجملة القول أن هذه الدول الثلاث قد استفادت من ضعف دول أوربة الذي

أشرنا إليه، وتم لها استقلالها بعد الحرب العظمى التي قلبت نظام العالم، وإنها

تعنى بالإصلاح العسكري والمالي الذي لا تحيا الدول بدونه عناية شديدة على

الطرق الغربية، وإن البلاد التركية وهي أقواهن ليهددها من الخطر المعنوي

ووقوعها بين أوربة الرأسمالية والروسية البلشفية ما لا يهدد أختيها، ولو عقل

زعماء سياستها وقادة قوتها ما عقله نابليون بونابرت الكبير من قوة الإسلام المعنوية

أو ما يعقله منها قيصر الألمان الأخير لأمكنهم في هذه الفترة التي شغلت دول أوربة

بأحقادها القومية والدولية ومشاكلها المالية وفوضى شعوبها الأدبية أن يؤسسوا

بالاتحاد مع العرب وإيران والأفغان قوة جديدة في الشرق الأدنى تسوده فتكون فيه

أعظم من اليابان في الشرق الأقصى، ثم تكون هي المنقذة لأوربة مما ينذرها من

خطر الفوضى التي أشرنا إليها، لا للإسلام والشرق فقط [2] .

ولو ظهر في الأفغان أو إيران مصلح حكيم آخر كالسيد جمال الدين لأمكنه في

هذه الفترة تنفيذ ما توجهت إليه همة السيد جمال الدين المصلح الأول من تأسيس

دولة عزيزة للإسلام تحيا بقوتها وعزتها الأمة الإسلامية كلها، وتستقل بها شعوب

الشرق الأدنى والأوسط كلها أيضا، فتتجدد الإنسانية بأصول الإسلام تجديدا تزول

به العصبيات الجنسية والقومية، وامتياز الألوان والطبقات في الإنسانية، ويكون

تأويلا لرؤيا بعض الحكماء المتقدمين ومحققا لأمانيهم في الأخوة الإنسانية عامة،

التي أشار إليها السيد قدس الله روحه في آخر رسالته (الرد على الدهريين) .

وجملة القول في الدول الإسلامية الأعجمية أن الأفغان أرجاها لتجديد الإسلام

إن ظهر من يقوم به في هذه العصر، ولكن علماءهم أشد جمودا على تقليد فقهاء

مذهبهم الحنفي، وإنما الفقه أحكام للعبادات ونظم الحكومة، فليس من موضوعه

إحداث انقلاب إصلاحي ولا تجديد سياسي ولا اجتماعي ولا أدبي ولا روحي، وإنما

روح الإصلاح والتجديد تفيض من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم

وسيرته وتاريخ النهضة الإسلامية الأولى، وكانت الشعوب الإسلامية كلها غافلة

عن هذا فنبهها له سيد أفغاني.

(3) شعوب الإسلام الأعجمية الخاضعة لغيرها:

وأما شعوب المسلمين الأعجمية الكبرى التي ليس لها دول إسلامية ففيها يقظة

ونهضة علمية ومدنية أقواها في الهند ومسلموها زهاء ثمانين مليونا، ولكن الوثنيين

في جملتهم أكثر منهم عددا وثروة وعلما، وأوسطها في جاوه وما حولها من الجزائر

الإندونيسية، والمسلمون فيهم هم الأكثرية الساحقة (كما يقال في عرف العصر)

ويبلغون ستين مليونا، ولكنهم أقل من أهل الهند الإنكليزية حرية وعلما وثروة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٣