تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الترك، والتي لزمت الحياد وهم الأفغانيون والإيرانيون، فأمامنا الآن خمس قضايا

جديدة: حالة أوربة، ودول الإسلام الأعجمية وشعوبها، وشعوبه الأعجمية

الخاضعة لغيرها، والعرب أرومة الإسلام الأولى شعوبها وحكوماتها، ومركز

الإسلام الذي يرجى تجديده فيه.

1- حالة أوربة الحاضرة:

خرجت أوربة من الحرب العامة منهوكة القوى مثقلة بالديون، منحلة الروابط

الدينية والأدبية، مرتكسة في فوضى الإباحة، مهددة بالثورة البلشفية التي أسست

لها أقوى دولة خلفت القيصرية الروسية، وهي تبث دعايتها في العالم، وبالخطر

الأصفر الياباني، وبيقظة الشعوب الشرقية كلها حيث ينابيع ثروتها، بل مهددة بما

هو أشد خطرا عليها من ذلك كله وهو استعار نيران البغضاء وغليان مراجل العداوة

في قلوب دولها وشعوبها بعضهم لبعض بعصبية الجنس والوطن وتباريها في الأثرة

المالية، وتنافسها في الاستعداد للحرب المبيدة الآتية، فهي الآن على فقرها وكساد

تجارتها وعجز ميزانياتها تنفق جل دخلها على إعداد ما تستطيع من قوة للحرب

البرية والبحرية والجوية، واختراع الغازات السامة التي تفني ألوف الألوف من

البشر في ساعة أو ساعات قليلة، مصداقا؛ لقوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة

والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض

فسادا والله لا يحب المفسدين} (المائدة: 64) .

ويخشى أن تكون الحرب المرتقبة كالريح العقيم التي وصفها الله تعالى بقوله:

﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ (الذاريات: 42) فيكونون كما

قال: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها

فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين} (الأحقاف: 24-

25) فلا يطفئها الله تعالى حتى يهلك بها جميع الظالمين.

إن شعوب أوربة لفي أشد الخوف والرعب من عاقبة هذا الشقاق والعداء بين

دولها أن يفضي إلى هذه الحرب وقد كثرت أسبابها، وهي في حيرة من أمرها،

ودهاقين سياستها يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات، ويحررون المعاهدات

وينقحون القديم منها لتلافي الخطر، ودرء الخطب المنتظر، ولكنهم فيها مضرب

المثل في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون

أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة} (النحل: 92) ، وكل فريق

منهم يضمر ويسر للآخر خلاف ما يعلن، ويظهر للعالم غير ما يبطن، وهذا عين

الدخل الذي يفسد المعاهدات، ويلجئهم إلى نقضها نقض الأنكاث، الذي يضطرهم

إلى إعادة إبرامها لفسادها، فأنى يوفقون إلى الإصلاح وهم المفسدون؟

ألا إنه لا إصلاح بلا إخلاص، ولا إخلاص بلا إيمان، ولا يمكن الجمع بين

الإيمان والعلم والعمران، إلا بدين القرآن، وهم عنه معرضون، ولأهله محادون:

] ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه [1 {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى

عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق

بهم ما كانوا به يستهزئون} (الأحقاف: 26) . فذرهم في طغيانهم يعمهون،

وفي ريبهم يترددون، بل هم أعداء أنفسهم فيما بينهم، لا يكادون يتفقون إلا على

الكيد للإسلام والعدوان عليه. وانظر في حاله في أهله، ومكانهم من هدايته، هل

هم حجة له على أعدائه وأعدائهم، أم هم فتنة لهم عنه وعون لهم على أنفسهم؟ هل

هم دعاة إليه بأخلاقهم وأحكامهم وعلومهم وأعمالهم وقوتهم وعمرانهم، أم هم

صادون عنه؟ وكيف يكون مستقبلهم معهم إذا وقعت الواقعة؟

(2) دول الإسلام الأعجمية وشعوبها:

إن دول بلاد الإسلام كلها ضعيفة تجاه دول أوربة، ولكن في شعوبه شيئا من

اليقظة والتوجيه للاستقلال السياسي ولتقليد الإفرنج في الحضارة المادية والنظام

المالي والقوة العسكرية لحفظ هذا الاستقلال، وكل ذلك من الضروريات التي

يوجبها الإسلام وطالما دعونا المسلمين إليها، وصرفنا لهم الآيات فيها والحجج

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢