تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تصريحا ولا تلويحا، وإنما بين أن ثبوت ما يقوله الباحثون في العلوم وآثار البشر

وعادياتهم والحيوانات من أن للبشر عدة أصول، ومن كون آدم ليس أبا لهم كلهم

في جميع الأرض قديما وحديثا - كل هذا لا ينافي القرآن ولا يناقضه ويمكن لمن

ثبت عنده أن يكون مسلما مؤمنا بالقرآن، بل له حينئذ أن يقول: لو كان القرآن من

عند محمد صلى الله عليه وسلم لما خلا من نص قاطع يؤيد الاعتقاد الشائع عن أهل

الكتاب في ذلك بما لم تستطع اليهود أن تعارضه من قبل بدعوى مخالفته لكتبهم،

ولم يستطع الباحثون أن يعارضوه من بعد لمخالفته ما ثبت عندهم، وليت شعري

ماذا يقول الذين يذهبون إلى أن المسألة قطعية بنص القرآن فيمن يوقن بدلائل قامت

عنده بأن البشر من عدة أصول؟ هل يقولون: إذا أراد أن يكون مسلما وتعذر عليه

ترك يقينه في المسألة أنه لا يصح إيمانه، ولا يقبل إسلامه، وإن أيقن بأن القرآن

كلام الله، وأنه لا نص فيه يعارض يقينه؟ ؟ اه.

وإنما بين الأستاذ الإمام في تنزيه القرآن ما ذكر ووضحته بما ذكرت؛ لأننا

نعلم أن كثيرا من المسلمين يعتقدون صحة نظرية داروين في جملتها، وطالما

حاججناهم فيها كما سيأتي، ولكن لا نقول بكفر من يؤمن بالله وكتابه ورسوله منهم،

ولا أن هذا الرأي مانع من صحة إسلام من يهديه الله إلى الإسلام ممن يرون

صحة هذه النظرية أو نظرية تعدد أصول البشر، ولكننا لم نؤول نصا من القرآن

ولا ظاهرا من ظواهره؛ لأجل تطبيقه على هذه النظرية التي لا نعتقد صحتها من

كل وجه.

وقد ذكرت في المقال الأول أن عالما من علماء تونس الأذكياء لا يبلغ الدجوي

مده في العلم ولا نصيفه قد انتقد عبارة الأستاذ الإمام وإقرارنا لها، وكتب إلينا بذلك

ما نشرناه له ورددنا عليه من بضعة عشر وجها فاقتنع بما كتبناه.

وخلاصة الكلام في المسألة أن مراد الأستاذ الإمام مما قرره أن من معجزات

القرآن في تعبيره عن أمور الخلق أن يذكر المسائل بما لا تستنكره معلومات العرب

الأميين في عصر التنزيل ولا معلومات غيرهم ممن خوطبوا به في العصر الأول،

ثم ترتقي معارف البشر في هذه المخلوقات ارتقاء عظيما حتى تصل إلى ما نعلم

ونسمع ونبصر في هذا العصر، ويبقى تعبير القرآن فوق كل علم وكل ارتقاء لا

يمكن أن ينهار، ولا أن ينقض من بنائه العظيم جدار، ولا أن يسقط منه حجر من

الأحجار، مع أننا نرى فحول علماء كل عصر كلما ألفوا كتابا فيما وصلت إليه

معارفهم الواسعة من أمور العالم يجدون من الباحثين من ينقض كثيرا من مسائله،

بل نرى العالم الواحد منهم إذا أعاد طبع كتابه بعد سنين قليلة من تأليفه يصحح

كثيرا من مباحثه. فهل يعقل أن يكون في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن

يأتي بمثل هذه التعبيرات التي يستفيد البشر منها العبرة المرادة في كل زمن بما

يناسب معارف أهله من غير أن يمسها ما ينقض شيئا منها، أو يصد الناس عن

الاهتداء بها؟

ولكن أمثال الشيخ يوسف الدجوي من علماء المناقشات في عبارات الأشموني

والصبان وحواشي مختصر السعد التفتازاني وجمع الجوامع، وإيراد الاحتمالات

الكثيرة فيها لا يعقلون مثل هذا الإعجاز في القرآن، ولا يفقهون فيها مراد عليم

كبير كالأستاذ الإمام، كما أنهم لا يفقهون كلامه في عظمة نفس المصطفى عليه

أفضل الصلاة والسلام، وأنه لا يمكن أن يؤثر فيها سحر السحرة أولي الأوهام، بل

ينكرون تحقيقاته التي لا تصل إليها أفهامهم المحصورة في مناقشات كتب المتأخرين،

ويجبنون عن توجيه الاعتراض عليها؛ لئلا تلعنهم الأمة بعد إجماعها على أن

مصر لم تنجب عالما ربانيا وحكيما تفتخر به مثله، فيوجه أجرؤهم على التحريف

وقول الزور كالشيخ يوسف الدجوي اعتراضه على ناقل علمه وحكمته وناشر فضله

ومزاياه وما هو إلا صاحب المنار، ويظاهره على ذلك ضريبه في علمه واعتقاده

الشيخ الأحمدى الظواهري فيما يظهر؛ إذ يستعمله في نشره في مجلة الأزهر، ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٥