تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توحيد الله وعبادته لأجل أن يصحح بدع العوام والجاهلين ويبيح لهم دعاء غير الله

من الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد، وهو ما لم يبلغه شرك العرب في جاهليتها،

فإن الله تعالى قال فيهم: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين

فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} (لقمان:

32) فهو يستبيح لنفسه تأويل أصول عقيدة الإسلام لتصحيح البدع الوثنية، ثم

يزعم أننا إذا أولنا النفس الواحدة بغير آدم فماذا يبقى لنا من القرآن؟ وإنما هذا

تفسير بظاهر اللفظ لا تأويل، والمراد منه تنزيه القرآن عن نقض شيء فيه، وكان

قد بسط هذا الاعتراض من قبل في جريدة الأفكار كما بيناه من قبل في المقالين

الأول والرابع من هذا الرد، وقلنا في الرابع: إن الشيخ الدجوي قد اعتذر عنه

عقب نشره في جريدة الأفكار سنة 1335 إذ خاف أن نقاضيه إلى محكمة العقوبات،

فيضطر إلى الاعتذار فيها كما اعتذر زميله في ذلك العام، وكان مما بهت به

صاحب المنار افتراؤه عليه أنه قال: إن آدم عليه السلام من سلالة القرود، وأنه

ليس أبا الجميع البشر، وكانت حجته في اعتذاره أن الذي قرأ له غشه وهو أعمى

لا يبصر، ولكنه عاد في هذه السنة إلى الطعن علينا بما كتبه واعتذر عنه.

وكان الذي أثار هذه الفرية في نفسه وحمله عليها ما نقلته عن الأستاذ الإمام

في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق

منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} (النساء: 1) من أن كلمة النفس

الواحدة ليست نصا أصوليا ولا ظاهرا في آدم عليه السلام، وأنها مع ذلك لا يمكن

أن يعترض عليها أحد لا الذين يقولون: إن آدم هو الأب لجميع البشر ولا غيرهم

حتى الذين يقولون: إن للبشر عدة أصول، وبين ذلك بما يراجع في أول تفسير

سورة النساء من جزء التفسير الرابع أو مجلد المنار الثاني عشر.

وقد وضحت كلامه (رحمه الله تعالى) فيما علقته عليه بأن المفسرين كالإمام

الرازي وغيره ذكروا في تفسير هذه الجملة ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ (الأعراف:

189) من آية سورة الأعراف: ثلاثة أقوال: أحدها قول القفال إن هذه القصة

وردت على سبيل ضرب المثل، والمراد خلق كل واحد منكم من نفس واحدة،

وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، والثاني أن الخطاب لقريش،

والمراد بالنفس الواحدة جدهم قصي، والثالث أن النفس الواحدة آدم، وتأول ما يرد

عليه من الإشكال في قوله تعالى: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ (الأعراف:

190) مع عصمة آدم من البشر بما تراه فيه. فلو كان لفظ ﴿نفس واحدة﴾ (النساء: 1) نصا في آدم عليه السلام لما كان هناك وجه للقولين الآخرين. وكيف

يكون نصا أو ظاهرا فيه ولفظ (نفس) اسم جنس نكرة، وآدم علم شخص معرفة؟

فتفسير هذه النفس بآدم تفسير بالمراد لا بمعنى اللفظ.

وذكرت أيضا ما نقله المفسرون وغيرهم عن الإمامية والصوفية من أنه كان

في الأرض قبل آدم المشهور عند أهل الكتاب وعندنا آدمون كثيرون، فراجع ذلك

في روح المعاني للآلوسي وراجع ما قالوه أيضا في تفسير: {إني جاعل في

الأرض خليفة} (البقرة: 30) من قول بعضهم: إنه كان فيها بشر قبل آدم هم

الذين أشار إليهم الملائكة بقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ (البقرة: 30) ثم قلت بعد بيان استدلال شيخنا وما وضحته به ما نصه (صفحة

326 من جزء التفسير الرابع) .

(ثم إن ما ذهب إليه الأستاذ الإمام يرد الشبهات التي ترد في هذا المقام،

ولكنه لا يمنع المعتقدين أن آدم هو أبو البشر كلهم من اعتقادهم هذا؛ لأنه لا يقول:

إن القرآن ينفي هذا الاعتقاد، وإنما يقول: إنه لا يثبته إثباتا قطعيا لا يحتمل

التأويل. وقد صرحنا بهذا لأن بعض الناس كان فهم من درسه أنه يقول: إن

القرآن ينافي هذا الاعتقاد أي اعتقاد أن آدم أبو البشر كلهم، وهو لم يقل هذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٤