يأذن بأن ينكر عليه فيها منكر.
أما قول الشيخ يوسف الدجوي: وما أدري كيف يفعل في قوله تعالى: {إن
مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران: 59) إلخ، فجوابه
أولا: أنه لا يعقل أنه لا يدري ذلك؛ إذ لا بد أن يكون راجع تفسيرنا لهذه الآية
وأمثالها لأجل تأييد طعنه علينا أن وجد فيها ما يؤيد رأيه، وثانيا أنه إن كان صادقا
في قوله: إنه لا يدري، فهو أنه لا يحب أن يدري؛ لأنه لو كان يحب أن يدري
لراجع تفسيرنا لهذه الآية ولغيرها في معناها، ولا سيما الآيات التي انفردنا
بتفسيرها بعد وفاة شيخنا رحمه الله كقوله تعالى في سورة الأنعام: {هو الذي
خلقكم من طين} (الأنعام: 2) الآية، فقد قلت في تفسيرها من صفحة 296 من
جزء التفسير السابع ما نصه:
هذا كلام مستأنف جاء على الالتفات عن وصف الخالق تعالى بما دل على
حمده وتوحيده إلى خطاب المشركين الذين عدلوا به غيره في العبادة، يذكرهم به
بما هو ألصق بهم من دلائل التوحيد والبعث، وهو خلقهم من الطين وهو التراب
الذي يخالطه الماء فيكون كالعجين، وقد خلق الله آدم أبا البشر من الطين كما خلق
أصول سائر الأحياء في هذه الأرض؛ إذ كانت حالتها مناسبة لحدوث التولد الذاتي،
بل خلق كل فرد من أفراد البشر من سلالة من طين، فبنية الإنسان مكونة من
الغذاء ومنه ما في رحم الأنثى من جراثيم النسل وما يلقحه من ماء الذكر، فهو
متولد من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من نبات الأرض أو من لحوم الحيوان
المتولد من الأرض، فمرجع كل إلى النبات، وإنما النبات من الطين، ومن تفكر
في هذه ظهر له ظهورا جليا أن القادر عليه لا يعجزه أن يعيد الخلق كما بدأه إذا هو
أمات هذه الأحياء بعد انقضاء آجالها التي قضاها لها في أجل آخر يضربه لهذه
الإعادة بحسب علمه وحكمته اه.
وفي معناه ما كتبته في تفسير قوله تعالى من سورة الأعراف {ولقد خلقناكم
ثم صورناكم} (الأعراف: 11) الآية وهذا نصه من (ص328 من جزء
التفسير الثامن) :
(الخطاب لبني آدم، والمعنى خلقنا جنسكم أي مادته من الصلصال والحمأ
المسنون، وهو الماء والطين اللازب المتغير الذي خلق منه الإنسان الأول، ثم
صورناكم بأن جعلنا من تلك المادة صورة بشر سوي قابل للحياة، أو قدرنا إيجادكم
تقديرا ثم صورنا مادتكم تصويرا إلخ؛ ثم ذكرت الأقوال المروية عن ابن عباس
وغيره من مفسري السلف وقلت في آخرها: والتقدير الذي ذكرناه أولا هو الموافق
لما عليه الجمهور، والإنسان الأول آدم) اه. فهذان نصان صريحان في
اعتقادنا أن آدم هو الإنسان الأول، وأنه أبو البشر ناقضا لما افتراه علينا الشيخ
الدجوي ومكذبا له.
وأما آية خلق عيسى كخلق آدم فقد كتبت في تفسيرها (ص 319 ج3) ما
نصه:
(أقول بعد أن بين سبحانه خلق عيسى ومجيئه بالآيات، وما كان من أمر
قومه في الإيمان والكفر به، كشف شبهة المفتونين بخلقه على غير السنة المعتادة
والمحاجين فيه بغير علم، ورد على المنكرين لذلك فقال: {إن مثل عيسى عند
الله كمثل آدم} (آل عمران: 59) أي أن شبه عيسى وصفته في خلق الله إياه
على غير مثال سبق كشأن آدم في ذلك ثم فسر هذا المثل بقوله: {خلقه من تراب
} (آل عمران: 59) أي قدر أوضاعه وكون جسمه من تراب ميت أصابه الماء
فكان طينا لازبا ذا لزوجة: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: 59) أي ثم
كونه تكوينا آخر بنفح الروح فيه اه.
مذهب داروين والإسلام:
وجملة القول: أن ما بهتنا به الشيخ يوسف الدجوي في مجلة الأزهر من أننا
نقول بتطبيق القرآن على مذهب داروين فهو كذب مفترى كغيره من مفترياته، وإن
في مجلد المنار الثاني عشر الذي استنبط منه سائر هذه المفتريات رسالة لشيخ
الصحافة في سورية عبد القادر أفندي القباني جعل فيها مذهب داروين دينا مناقضا
للأديان المعروفة في البلاد العثمانية وناقضا لها وقد نشرتها له وعلقت عليها تعليقا