تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها

ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت

أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما

عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئا من

الله مغمورا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل

به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له،

ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه، وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في

القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا

غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من

الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات

والتعوذات النبوية، وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون

ميلها إلى السفليات. قالوا والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقا

بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح

الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك

الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها،

فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها

فيها بالسحر وغيره والله أعلم اه.

وقد لخص الحافظ ابن حجر هذا الفصل في الكلام على حديث السحر من

الفتح، وتعقبه بقوله: ويعكر عليه حديث الباب وجواز السحر على النبي صلى الله

عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمته ورده، ولكن يمكن الانفصال

عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإنما وقع به صلى الله عليه وسلم

لبيان تجويز ذلك، والله أعلم اه. أقول: فأنت ترى أن الحافظ يرى أن القاعدة

التي بينها ابن القيم صحيحة في نفسها وأن الأنفس الشيطانية لا سلطان لها على

الأنفس العالية القدسية، وينقض اطرادها بإثبات الرواية لتأثير السحر في أشرف

النفوس وأعلاها فيجعلها أغلبية، وإنما يتصور نقض القاعدة فيما دون هذه النفس

العليا من الأنفس الشريفة، ولكن الحافظ عفا الله عنه من الرجال التي انحصرت

قوة تحقيقهم في الروايات وحفظ ما قاله أهل الجرح والتعديل في أسانيدها وسائر

العلماء في متونها، والترجيح بينها بمقتضى قواعدهم التي هي آراء لهم. فبضاعته

ضعيفة في تحقيق مسائل المتون، وبنائها على قواعد المنقول والمعقول، حتى إنه

رجح أن لرواية الغرانيق أصلا بما حفظه من تعدد طرقها، وبقاعدتهم في تقوية

الروايات الضعيفة والمنكرة بتعدد الطرق مع تصريحه بأن جميع تلك الطرق

ضعيفة، وغير متصلة، فإذا كان لا يحتج بشيء منها في أحكام النجاسة والطهارة،

أفيعتد بها في أصل أصول العقيدة؟ ورواية الغرانيق أفظع ما رواه الرواة في

الطعن على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وبرأه مما قالوا في تبليغ الرسالة الذي

أجمعوا على عصمته فيه، فترى فيما اعتمده الجلال المحلي منها واقتصر عليه في

تفسيره أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر اللات

والعزى ومناة الثالثة الأخرى من أصنام العرب في قراءته لسورة النجم جملة:

(تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) وهو عين ما يعتقده المشركون والعياذ

بالله تعالى، وقد فند هذه الرواية المحققون من ناحيتي الرواية والدراية، وبين ذلك

شيخنا الأستاذ الإمام أحسن بيان، بما نشرناه في المنار، ونعيد طبعه كل مرة مع

تفسير سورة الفاتحة.

ومن عجائب جهل المتأخرين المقلدين لأمثالهم من المقلدين لأنهم أوسع منهم

اطلاعا أو جدلا أن القاعدة عندهم تقديم ما اعتمده المتأخرون على غيره، وإن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٨