تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشيء ولم يكن فعله حتى إتيان أهله الذي يترتب عليه أحكام شرعية - فهل هذا من

الأمراض الجسمية؟

وليعلم القراء أن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدي إلى تحقيق الحق

فيها إلا الذي يعطي لعقله حرية الاستقلال فيما قاله أصناف العلماء. فعلماء الرواية

هم أعلم من علماء الأصول الاعتقادية والفقهية بنقد رجال الأحاديث، وهؤلاء أعلم

من المحدثين بنقد المتون، وما يوافق المعقول وأصول العقائد منها وما لا يوافقها،

وقد اتفق الفريقان على أن ليس كل ما صح سنده من الأحاديث المرفوعة يصح متنه

؛ لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمدا أو سهوا، وما كل ما

لم يصح سنده يكون متنه باطلا، بل قالوا: إن الموضوع من حيث الرواية قد يكون

صحيحا في الواقع، وإن الصحيح السند قد يكون موضوعا في الواقع. وإنما علينا

أن نأخذ بالظواهر مع مراعاة القواعد، فما صح سنده قبلنا روايته وحكمنا قواعد

الاعتقاد ودلائل العقل والعلم في متنه إن كان مشكلا، وما كان غير صحيح السند لا

يجوز لنا أن نسميه حديثا نبويا، وإن كان معناه صحيحا.

ونحن قد اتبعنا في المنار هذه القواعد كلها في حل مشكلات الأحاديث كما

صرحنا به في مواضع من المنار والتفسير، ولعلنا نكتب فيه مقالا خاصا.

وإن لنا في هذا الحديث كلمتين: (إحداهما) في سنده، وهي أن الذين أعلوا

الحديث بهشام بن عروة ورد عليهم العلامة ابن القيم باتفاق الجماعة على تعديله -

لهم وجه وجيه، ومستند من أقوال أئمة الجرح والتعديل، فقد قال بعضهم: إن

هشاما كان في العراق يرسل عن أبيه عروة ما سمعه من غيره، وقال ابن خراش:

كان مالك لا يرضاه وقد نقم منه حديثه لأهل العراق، وقال ابن القطان: تغير قبل

موته ا. ه فالقول بوقوع خطأ منه أهون من قبول روايته هذه، وهو أوثق من

روى هذا الحديث.

(الثانية) في متنه، وهو أن الروايات عن عائشة تدور على أمر واحد وهو

ما يتعلق بالنساء فقولها كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، كناية عن

ذلك الأمر، حياء من التصريح به على أنها صرحت في رواية أخرى فظن بعض

الرواة أنه عام في كل فعل فعظمت الشبهة فيه على علماء الأصول والعقائد، ويؤيد

حصر التأثير فيما ذكر في طبقات ابن سعد عن ابن عباس: مرض النبي صلى الله

عليه وسلم وأخذ عن النساء والطعام والشراب، وفي مرسل يحيى بن يعمر عن عبد

الرزاق: سحر النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة حتى أنكر بصره. فجملة

القول أنه مرض مرضا أثر في الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي فقط، وما زالت

الناس تعد هذا من أنواع السحر، ويعبر عنه العوام في زماننا بالعقد، ويسمون

الواقع عليه (معقودا) وكانت العرب تسميه مطبوبا، وهو من نوع تأثير الأنفس

بعضها في بعض كالتنويم المغناطيسي أو الاستهواء في عصرنا، وقد بينا هذا النوع

وسائر أنواع السحر في تفسير سورة الأعراف.

وكان قد سبق لي في عهد اشتغالي بالروحانيات أن كنت أكتب نشرة للمصابين

بهذا السحر فتنفعهم، وربما كان جل هذا النفع من تأثير الاعتقاد الحسن، وكان هذا

الاعتقاد وحسن الظن فينا عاما في بلادنا حتى في النصارى الذين يعرفوننا.

ومن المقرر عند العلماء المتقدمين والمتأخرين أن هذا التأثير لا يكون إلا من

نفس ذات إرادة قوية في نفس ذات إرادة ضعيفة، وأن الأنفس الخبيثة الضارة لا

يمكن أن تؤثر في الأنفس الزكية العالية، وهذا ما اعتمد عليه شيخنا في إنكار سحر

اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم من الوجهة العقلية مهما يكن نوع السحر.

وقد كان العلامة ابن القيم يعلم هذا، وقد بينه في مواضع من الكلام في

الأمراض البدنية والنفسية وعلاج كل منهما في كتابه (زاد المعاد، في هدي خير

العباد) فننقل عنه الفصل الآتي بنصه، قال:

(فصل)

ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٧