خالف كلام الأئمة المتقدمين، وتقليد الميتين، وإن كان مخالفا لأصول الدين،
وماسا بكرامة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم كما أنهم يقبلون في باب مناقبه
صلى الله عليه وسلم ومناقب من دونه من الصالحين ما يخل بتنزيه رب العالمين،
ويخالف المجمع عليه من توحيده عز وجل ودعائه والاستغاثة به عند الشدائد،
يبيحون هذه العبادة لغير الله تعالى، ويتأولون لها آيات القرآن الصريحة، فخرافات
العوام، ولا سيما القبوريين عندهم مقبولة، وبدع المؤلفين المقلدين حجج متبعة،
وكلام المحققين في عصمة الرسول وتنزيهه عن الروايات المنافية لعصمته وغير
اللائقة بكماله أوهام مردودة، وآيات القرآن المحكمة في صفات الله وعالم الغيب
حتى آيات التوحيد مؤولة، وهذا ما جرت عليه مجلة مشيخة الأزهر التي سمتها
(نور الإسلام) والذي تولى كبره من علمائها ومحرريها هو الشيخ يوسف الدجوي
الذي يصحح بدع العوام، ويتأول لتصحيحها نصوص القرآن، كما سنبينه بعد، إن
شاء الله تعالى.
وجملة القول في مسألة السحر أن هذه المحرر الثقة عند المشيخة رغم أن
صاحب المنار رد حديث السحر المذكور بتمويهات وخيالات لا يطيل هو بها،
وإنما بهته لنا إيهامه قراء كلامه أن صاحب المنار قد انفرد بهذه الجرأة على رد
حديث البخاري! وقد علم القراء أن كثيرا من العلماء المتقدمين قد ردوه قبل الأستاذ
الإمام، ولكن بدون أدلته - وأنه يعني بالتمويهات والخيالات ما أشرنا إليه من
الحقائق العالية التي عزوناها إلى الأستاذ الإمام، في إعظام شأن المصطفى عليه
أفضل الصلاة والسلام.
وإننا على هذا قد محصنا أقوال علماء المعقول والمنقول في الرواية متنا
وسندا بما يهون فيها أمر منكري الرواية بما قيل في هشام، وبما يرجع أجوبة
مثبتيها إلى كون التأثير الذي وقع على قولهم هو خاص بمباشرة الراوية له (عائشة)
على أن أستاذنا (رحمه الله تعالى) فوض الأمر في تأويل الحديث لأهله، ولم
يرد روايته كغيره.
* * *
المقال الثاني عشر
البهيتة السادسة ما سماه إفتاء التلاميذ المسلمين بالصلاة مع النصارى
في الكنائس
وتعليله بقوله: (ليغرس في قلوبهم النقية تلك الطقوس النصرانية وينقش في
نفوسهم الساذجة ما يسمعونه من القسوس والمبشرين هناك) اه. بحروفه.
كل بهيتة من المفتريات التي بهتنا به الشيخ يوسف الدجوي في مجلة الأزهر
كان لها شبهة منتزعة من المنار أو تفسيره بضرب من التحريف بالزيادة أو
النقصان، وجعل المنقول مقولا للناقل ومذهبا له، وتفسيره بغير معناه، وإضافة
شيء من الكذب أو اللوازم الباطلة إليه. وأما هذه البهيتة فهي الفرية المفضوحة
التي لا تستند إلى أدنى شبهة، بل هي قذف لنا بضد ما كنا عليه في موضوعها،
وخلاف ما قررناه وما كررناه فيه وفي وقائعه.
ومن غرائب الجرأة على الكذب الصريح، والبهتان المفضوح أن يعزوه إلى
منار شعبان من المجلد 12 (سنة 1327) ليصدقه قراء مجلة الأزهر كما تقدم،
وإنني أنقل من ذلك المجلد بعض ما نشرته فيه خاصا بهذا الموضوع بعد مقدمة
وجيزة.
إنني زرت سورية في سنة 1326 ه (الموافقة سنة 1908م) بعد إقامة
12 سنة في مصر لم أزرها فيها، وكان ذلك عقب إعلان الدستور في البلاد
العثمانية الذي نفخ شيئا من روح الحرية فيها فحمل طلاب العلم من المسلمين في
المدرسة الكلية الأميركانية ببيروت على الثورة على نظام المدرسة الذي يكرههم
على دخول كنيسة المدرسة وسماع المواعظ النصرانية فيها وحضور صلاتهم فيها،
وهي عبارة عن أدعية مأثورة عندهم، وكنت وقتئذ في بيروت فدافعت عن هؤلاء
الطلبة وقويت عزائمهم على الامتناع من حضور صلاة النصارى، والاعتصام
بعروة الإسلام الوثقى، فمن ذلك أنني جمعت هؤلاء الطلبة في مسجد رأس بيروت
وخطبت فيهم خطابا نشرته في الجزء الأول من المجلد الذي صدر في المحرم سنة
1327 قلت في آخره ما نصه: