تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قطعا، وأما الحديث فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب

العقائد وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها

عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون، على أن الحديث الذي

يصل إليها من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له

الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا بل علينا أن

نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل،

فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا وهو لم

يبلغه، أو أن شيئا نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان.

ثم إن نفي السحر عنه لا يستلزم نفي السحر مطلقا فربما جاز أن يصيب

السحر غيره بالجنون نفسه، ولكن من المحال أن يصيبه؛ لأن الله عصمه منه، ما

أضر المحب الجاهل، وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه، نعوذ بالله من

الخذلان.

على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعا؛ لأن الله تعالى ذكر ما

يعتقد به المؤمنون في قوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ (البقرة: 285) الآية، وفي غيرها من الآيات، ووردت الأوامر بما يجب على

المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلما، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر على

أنه مما يجب الإيمان بثبوته أو وقعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة،

بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلم السحر كفر، فقد طلب منا أن لا ننظر

بالمرة فيما يعرف عن الناس بالسحر ويسمى باسمه، وجاء ذكر السحر في القرآن

في مواضع مختلفة، وليس من الواجب أن نفهم منه ما يفهم هؤلاء العميان، فإن

السحر في اللغة معناه صرف الشيء عن حقيقته. قال الفراء في قوله تعالى:

﴿فأنى تسحرون﴾ (المؤمنون: 89) أي أنى تؤفكون وتصرفون، سحره وإفكه

بمعنى واحد.

وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه تلك الطرق

الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها؟ وهل يبعد

أن يكون مثل هذه الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة، ونحن نرى أن كتبا ألفت

ودروسا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس لمن يريد أن يكون من عمال السياسة

في بعض الحكومات؟ وقد يكون ذكر المرء وزوجه من قبيل التمثيل وإظهار الأمر

في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد أن

يتمكنوا به من التفريق بين المرء وزوجه؟ وسياق الآية لا يأباه.

(وذكر الشياطين لا يمنعنا من ذلك بعد أن سمى الله خبثاء الإنس المنافقين

بالشياطين قال: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ (البقرة: 14) وقال: {شياطين

الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض} (الأنعام: 112) وسحر سحرة فرعون

كان ضربا من الحيلة، ولذلك قال: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه:

66) وما قال: إنها تسعى بسحرهم. قال يونس: تقول العرب ما سحرك عن

وجه كذا أي ما صرفك عنه.

ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدره ويعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن

يتكلم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة، وكيف يصح أن

تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي صلى الله عليه وسلم مع أنها مكية في قول

عطاء والحسن وجابر، وفي رواية ابن كريب عن ابن عباس، وما يزعمون من

السحر إنما وقع في المدينة؟ لكن من تعود القول بالمحال، لا يمكن الكلام معه

بحال، نعوذ بالله من الخبال) اه بحروفه.

هذه حجة الأستاذ الإمام على إنكاره لوقوع السحر على تلك النفس القدسية

العليا التي كانت تتصل بروح الله الأمين، وتتلقى منه كلام رب العالمين، فهو

يجلها أن يؤثر فيها سحر ذلك اليهودي الرجيم، الذي كان يستعين كغيره على سحره

بأرواح الشياطين، ولم يقبل في ذلك رواية الراوين، وإننا لم نر من علماء الملة

متقدميهم ومتأخريهم من بين لنا من فضل تلك النفس الزكية العلوية، والشخصية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٥