تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مستديرا، وإن هذا من القطعيات. فرؤية القمر بعد غروب الشمس دليل حسي على

وجود الشمس وراء الأفق التي تتوارى عنه مقابلة للقمر تلقى نورها عليه. ولم يكن

علم الهيئة وصل في عهدهم إلى ما وصل إليه الآن ولا علم الجغرافية أيضا. ولا

كان الناس في عصرهم يطوفون حول الأرض بطيارتهم وغيرها فيرون بأعينهم

مصداق أدلة ثبات الشمس في فلكها، أفليس من الجناية على الإسلام أن تحكم مجلة

الأزهر على من يقول أن مضمون الحديث مخالف للحس بأنه مكذب لله ولرسوله

صلى الله عليه وسلم؟

***

ما نقله الحافظ ابن حجر في استشكال العلماء للحديث وأجوبتهم عنه

قال الحافظ ابن حجر في شرحه له من فتح الباري: والغرض منه هنا بيان

سير الشمس في كل يوم وليلة. وظاهره مغاير لقول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة

في الفلك، فإنه يقتضي أن الفلك هو الذي يسير، وظاهر الحديث أنها هي التي

تسير وتجري، مثله قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ (يس:

40) أي يدورون.

قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن. وتأوله قوم على ما

هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع.

قال الحافظ بعد نقله لهذا: قلت: إن أراد بالخروج الوقوف، فواضح وإلا فلا

دليل على الخروج. ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من

الملائكة أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في

ذلك الحين اه.

فعلم من هذا أن العلماء استشكلوا الحديث وقالوا كما قلنا بأنه مغاير لقول علماء

الهيئة القطعي وأنهم استشكلوا أيضا سجودها وأنكره بعضهم ولم يكفرهم متأولوه.

وأجابوا عنها بما رأيت وما سترى مما ننقله إليك، ووازن بعد ذلك بين أجوبتهم

وجوابنا.

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث من تفسير سورة يس من صحيح

البخاري ما نصه: وروى عبد الرزاق من طريق وهب بن جابر عن عبد الله ابن

عمرو في هذه الآية قال: مستقرها: أن تطلع فيردها ذنوب بني آدم، فإذا غربت

سلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها فتقول: أن السير بعيد، وإني أن لا يؤذن

لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله ثم يقال: اطلعي من حيث غربت. قال: فمن يومئذ إلى

يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها. وأما قوله (تحت العرش) فقيل: هو حين محاذاته

ولا يخالف هذا قوله: ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ (الكهف: 86) فإن

المراد بها نهاية مدرك البصر حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد

الغروب.

وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها غاية ما تنتهي إليه في

الارتفاع وذلك أطول يوم في السنة. وقيل: إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا.

وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر

تحته استقرار لا نحيط به نحن. ويحتمل أن يكون المعنى: أو علم ما سألت عنه

من مستقرها تحت العرش في كتاب كتب فيه ابتداء أمور العالم ونهايتها، فينقطع

دوران الشمس وتستقر عند ذلك ويبطل فعلها. وليس في سجودها كل ليلة ما يعيق

عن دورانها في سيرها. اه.

ثم قال الحافظ بعد نقل هذه الاحتمالات في تأويل الحديث والآية:

قلت: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند

سجودها. ومقابل الاستقرار: المسير الدائم المعبر عنه بالجري، والله أعلم. اه.

أقول: يعني أن هذه التأويلات خلاف المتبادر من لفظ الحديث. وأما حديث

عبد الرزاق من طريق وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو بن العاص الذي نقله

وسكت عليه فهو أعصى على تأويلنا وتأويلهم وأبعد عنهما بعد الشمس عن العرش

وفي معناه روايات أخرى أغرب منه. ووهب هذا ثقة وثقه ابن معين والعجلي وقال

علي بن المديني وابن حبان: وهب بن جابر مجهول سمع من عبد الله بن عمرو ابن

العاص قصة يأجوج ومأجوج و (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) ولم يرو غير

هذين، وقال النسائي: مجهول. وكفى بقول علي بن المديني أنه لم يرو غير هذين،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٤٨