هذه الآية أدل على عظم حق الوالدين على الولد؛ فإن الله يأمره بها أن
يصاحب والديه المشركين في الدنيا بالمعروف من البر والإحسان إلا في شركهما
وما يلزمه من معاصي الله تعالى، فإن جاهداه على أن يشرك بالله تعالى فلا يطعهما
لأن حق الله تعالى عليه أكبر من حقهما وتوحيده، وطاعته هي الوسيلة إلى سعادته
ونعيمه الذي لا نهاية له، وقوله:] واتبع سبيل من أناب إلي [أي واتبع في الدين
سبيل من أناب إلي من النبيين والمرسلين، ومن اهتدى بهم من المؤمنين دون تقليد
الآباء الكافرين قال:] ثم إلي مرجعكم [أي مرجعك ومرجع والديك] فأنبئكم بما
كنتم تعملون [عند حسابكم وأجازي كلا بما يستحق، فعلي حساب والديك وجزاؤهم
لا عليك، والآية نص في البر والشكر للوالدين الكافرين فيما عدا الكفر ولوازمه فهي
أرحم مما ينقله النصارى عن المسيح عليه السلام من التفرقة والعداوة بين الوالدين
والأولاد.
ففي إنجيل متى: (10: 34 لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض
ما جئت لألقي سلاما بل سيفا 35 فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد
أمها والكنة ضد حماتها 36 وأعداء الإنسان أهل بيته) .
وأما قول الله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾ (التغابن: 14) فقد نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا فأبى أزواجهم وأولادهم أن
يدعوهم، ومع هذا فقد قال الله تعالى فيهم: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن
الله غفور رحيم} (التغابن: 14) .
وقال في سورة الأحقاف: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها
ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال
رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا
ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين} (الأحقاف:
15) .
ثبتت القراءة بلفظ الإحسان ولفظ الحسن، وبفتح الكره وضمه ومعناهما واحد
(كالضعف والضعف) وهو المشقة، وهو أقسام منها ما يكرهه الإنسان ويشق عليه
طبعا وإن أحبه عقلا أو شرعا وبالعكس كالدواء والصبر على المكاره، ومنه قوله
تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم
وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} (البقرة: 216) وكره الأم لمشقات الحمل
والوحم طبيعية لا عقلية ولا شرعية ولا فطرية، وقوله تعالى: {وحمله وفصاله
ثلاثون شهرا} (الأحقاف: 15) معناه أن مدة تعب الأم في حمله إلى فطامه
ثلاثون شهرا، وهو مبني على أن مدة الرضاعة الغالبة 21 شهرا وهو ما كان عليه
الناس في الغالب لا أنه تشريع، إلا تحديد أكثر الرضاعة بسنتين في آية البقرة؛
فإن الأم لا تكلف أن ترضع طفلها أكثر من ذلك؛ لأنه بعد اكتمال السنتين لا
يضره التغذي بغير لبنها مما جرت العادة والتجربة بتغذي الأطفال به، ويوجد في
هذا العصر من الألبان الحيوانية المجمدة أو المجففة ومن المستحضرات الأخرى
(كالفوسفاتين) ما يوافق كل طفل في كل وقت ولم يكن هذا في زمن التنزيل، على
أن لبن الأم أفضل وأنفع بإجماع الأطباء.
59- الأحاديث النبوية في وجوب بر الوالدين
وتحريم عقوقهما وتخصيص الأم بترجيح حقها
جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك،
قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم
أبوك) وفي رواية زيادة (ثم أدناك فأدناك) .
وفي حديث المقدام بن معد يكرب عند أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن
ماجه وصححه الحاكم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم
يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب) .
وفي حديث أبي رمثة عند أحمد وأصحاب السنن الثلاثة والحاكم واللفظ له قال:
انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: (أمك وأباك ثم أختك