بمحض البغي والعدوان، دعوت البادئ منهما وهو الشيخ عبد الباقي إلى المذاكرة
والمناظرة في المسألة بالمشافهة ومعاهدة الله على الأخذ بما يظهر من الحق وإلا
رفعت عليه قضية إلى محكمة الجنايات، فأبى المناظرة فرفعت القضية وفي يوم
الجلسة حضر المحكمة كثير من علماء الأزهر، وانتهت القضية بالصلح الذي ساء
أولئك الشيوخ فقالوا له: والله إن الحكم عليك بأشد العقوبات كان يكون خيرا لك من
هذا الصلح المخزي.
ولقد كان عفا الله عنه ذكيا قريبا من مذهب المنار الإصلاحي بمقدار بعد زميله
عنه؛ وإنما دفعه إلى الطعن حب الشهرة، وقد عاد بعد أمة من الزمن لما كان سبق
له من مودتي، ولما كتبت مقدمة المغني في أسباب خلاف الأمة في الفقه وبيان
المخرج من مضاره وما يجب على جميع المسلمين من أحكام الإسلام، وما لا يجب
إلا على من ثبت عنده، قال لي إنه لم يكتب مثلها في الإسلام وهي جديرة بأن
يطبع منها مئات الألوف من النسخ ويطلع عليها جميع طلاب العلم الإسلامي.
وخاف الأستاذ الدجوي أن أرفع عليه قضية تنتهي بحكم مهين، أو صلح
مخزي مبين، فتوسل إلى بعض أهل الفضل بالسعي لصلح شريف بالجمع بيننا
فاجتمعنا واعتذر الأستاذ عما كان يكتبه بأنه كان عن سوء فهم لا عن سوء قصد،
وأن سببه أن الذي قرأ له عبارات المنار عرف بعضها وأعرض عن بعض ... إلخ،
فقلنا عفا الله عما سلف.
ثم إن الأستاذ الدجوي نقض الصلح الأول كما نقض الصلح الأخير في هذه
الأيام، وألف جمعية للبحث عن هفوات المنار لأجل الطعن والتشهير، وما هو شر
منهما من استعداء مشيخة الأزهر والحكومة على صاحب المنار للانتقام منه، وهذا
ما يحاوله اليوم بما له من المكانة في هيئة كبار العلماء، والقلم الطعان في مجلة
المشيخة الرسمية، وبما للمشيخة من النفوذ في الحكومة.
ولكن المشيخة كانت أعقل منه وأعلم بسوء تأثير كلامه وما فيه من العار عليها
وعلى الأزهر إذا أقرته، فقد سعت لانتياشه مما تهوك [1] فيه فعجزت عنه فلم
تستطع منعه من استمرار الطعن في أثناء المفاوضة في الصلح ولا بعد عقده،
لضعفها عن تنفيذ سلطتها الرسمية عليه، حتى أن رئيسها الأستاذ الأكبر أمر بجمع
الرسالة البذيئة ووضعها في إدارة المعاهد وصرح بتألمه منها فلم ينفذ أمره - كما
تقدم - وهو مرءوس له وموظف عنده، وأجدر بعجز الرئيس عن المرءوس فيما
هو صريح حقه عليه في قانون الأزهر أن يكون مثار العجب، فهل سببه قوة
الإرادة وضعفها، أم هنالك قوة خفية يعتز المرءوس بها، ومن مظاهر هذا العجز
أن يكون الغرض من الصلح إقناعه بالكف عن هذه الكتابة التي لا تسلم المشيخة من
عارها، بل لا يعرف في تاريخ الأزهر وسيرة شيوخه مثلها، وأن يكون هذا
الصلح بأخذ وثيقة مني بدفن الماضي قبل أن تظهر براءتي من مطاعنه، وأن
ترضى المشيخة بجعل الرد عليها وعلى مجلتها دونه، وأن يظل هو مع هذا كله
يستعديها علي، ويوجب عليها الانتقام مني، ويصفها بقوله: (وهي المشرفة على
جميع المسائل الدينية وصاحبة السلطان على ذويها بنص القانون) كأن قانون
الأزهر وضع للسيطرة على غير أهله، والانتقام لشيوخه من غيرهم بالباطل [2]
فكانت المشيخة بسعيها هذا كمن يحاول إنقاذ الغريق فغرق معه، فهي إنما رغبت
إلي بأن أنقذها وأنقذه، وقد علمت الأمة أنني واتيت، ثم عجزت بعجزها فانثنيت،
وأمسكت عن بيان الحق شهرا ونصف شهر.
وأما هو فرأيي في عداونه الأخير كرأيي في عدوانه الأول سنة 1335، ولولا
أن كان عدوانه هذا في مجلة مشيخة الأزهر الرسمية، وأن كان الساعي للصلح معه
الأستاذان الأكبران: شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية، لاجتنبت ذكر
اسمه اليوم كما اجتنبته من قبل حفظا لكرامة الأزهر وكرامتي كما عللت ذلك في
وقته، ورأيي في جمعيته واستعدائه اليوم هو رأيي في مثلهما بالأمس، ومنه أن