اجتمعنا في الساعة العاشرة و30 دقيقة، وكان في المجلس أصحاب الفضيلة
شيخ الجامع والمفتي ووكيل الأزهر والمعاهد الأستاذ الشيخ محمد عبد اللطيف
الفحام والأستاذ السيد الشنواني وهو نائب عن الأستاذ الدجوي الذي سافر إلى بلده
في الريف لحضور مأتم فيه.
بدأ الأشياخ الكلام بعتابي على النشر في الجرائد فقلت: هل من العدل
والإنصاف أن يطلب مني السكوت عن الدفاع عن نفسي وبيان حقي في مسألة
تداولتها الصحف اليومية، وتناولتها أيدي جميع طبقات الأمة، وكثر تساؤل الناس
كيف يسكت صاحب المنار عن الرد على التجني عليه وبهته بأفحش البهائت في
دينه وعلمه وأدبه؟ والقاعدة الأصولية أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة،
وهو قد تجاوز الحاجة معي إلى الضرورة، فإلى متى ينتظر مني أن أسكت وقد
سكت أكثر من شهر ونصف؟ قال المفتي لا نقول إنه لا حق لك في البيان؛ ولكني
لم أفهم منك في دار سفارة الأفغان أنك عزمت على الرد في الجرائد، وقد تعرضت
في مقالك للكلام في الأزهر، ولا يصح أن نجعل الأزهر مضغة في الأفواه بخوض
الجرائد فيه وأنت تحرص على كرامته مثلنا.
قلت: نعم، ولكن اللوم كله على مشيخة الأزهر فالطعن علي قد ظهر في
مجلتها في أول الشهر الماضي، ثم تكرر في أول هذا الشهر بعد السعي من قبلها
في الصلح وكان من أمر نقض الصلح ما علمتم، فأنا أصارحكم هنا بأنني لا أبالي
بطعن الشيخ الدجوي ولا بتكفيره لي، ولا بنقضه للصلح، ولا برسالته البذيئة التي
ذكرت لكم بدار سفارة الأفغان رأيي فيها، وفيما يجب على مشيخة الأزهر تجاه
صدور مثلها عن رجل من كبار علمائها الرسميين، وخاطبت شيخ الأزهر مصرحا
له بما كنت أفعله لحفظ شرف الأزهر لو كنت في منصبه؛ ولكنني لا أنشر هذا ولا
ما أقمت عليه الدليل من حرصي على كرامة فضيلته واجتنابي مشايعة الجرائد على
خوضها فيه.
وقلت: إن السيد عاصما قال للذي يبيع الرسالة البذيئة في الأزهر: إنني
أطلب مائتي نسخة لإرسالها إلى الخارج فأين أجدها؟ قال: عند فضيلة الأستاذ
الدجوي، فخطر في بالي أنه ربما كان يريد نشرها في الخارج لأجل فضيحة
الأزهر بها؛ ولكن فاعل هذا الانتقام يدخل في عموم {إن الذين يحبون أن تشيع
الفاحشة في الذين آمنوا} (النور: 19) فلهذا نهيته عنه.
ثم قلت: ولكن الذي أباليه وأهتم به محصور في مجلة المشيخة، هذه المجلة
التي أقمت الدليل في تقريظي لها على أنني أتمنى لو يكون توفيقها لخدمة الإسلام
والمسلمين أكبر وأتم مما وفقت له في المنار؛ لأن خدمة المنار لا يرجى أن تتجاوز
عمري وقد دخلت في سن الشيخوخة ولم يبق من العمر إلا قليل، ومجلة نور
الإسلام تابعة لهيئة إسلامية غنية يرجى بقاؤها، وأقسمت على صدقي في شعوري
هذا، وكادت تغلبني الدموع على الكلام، فدعا لي الشيخ الأكبر ومن معه بطول
العمر ودوام التوفيق.
ثم قلت: إنه ليحزنني أن يخيب أملي وأمل كل من أعرف من فضلاء
الأزهريين وغيرهم في المجلة، بل زارني من لم أكن أعرف من الخطباء الذين
يطوفون في البلاد لبث الوعظ والإرشاد من قبل المشيخة، فسمعتهم يقولون إن هذه
المجلة أوقعتنا في مشكلة، فنحن ننهى الناس عن البدع ولا سيما بدع المقابر
والموالد، ثم تجيء مجلة المشيخة والمعاهد تدافع عن هذه البدع وتتأول لفاعليها بما
يعد أعمالهم هذه مشروعة (وذكرت من أقوال أرقى علماء الأزهر فيها ما لا حاجة
إلى إذاعته في الصحف الآن) حتى انتهى أمرها إلى نشر المقالتين الأخيرتين في
الطعن علي، ولا شك في أنه طعن بسوء النية لما فيه من الافتراء والبهتان
وتحريف الكلم في النقل، ولم يترك كاتبهما شبهة ولا خاطرا يرى أنه يثبت للناس
فيه جهل صاحب المنار إلا وكتبه ونشره، حتى أنه يذكر أصغر الأمور التافهة مع
التكفير وكبائر الموبقات كتجهيله لصاحب المنار بالنحو لاستعماله كلمة القبوريين