تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفقر والذل ما لا يوصف بالقول؛ فإن الذوق أقوى أنواع الإدراك فلا يحتاج إلى

الوصف.

وإنكم أنتم يا عرب فلسطين، ويا من شرفكم التاريخ بمعركة حطين، قد

خصصتم بما لم يصب به أحد من العالمين، من الظلم والذل والعذاب المهين، لا

فرق فيه بين المسلمين والمسيحيين، بما تحشره الدولة البريطانية في وطنكم من

شذاذ اليهود الصهيونيين، لتطردكم منه وتعيد فيه ملك إسرائيل، تكذيبا لوعيد الله

لهم على لسان المسيح ومحمد عليهما من الله أفضل الصلاة والتسليم.

على أن هذه الدولة المشهورة عند أدباء أوربة وساستها بالرياء الفريسي قد

صبغت الاستيلاء على القدس بالصبغة المسيحية، ووصفت هذه الحرب بأنها آخر

الحروب الصليبية، وأقامت الاحتفالات لفتح أورشليم في الكنائس الإنجليزية،

فلينظر مسيحيو أورشليم والناصرة وبيت لحم وسائر البلاد التي تشرفت بولادة

المسيح ونشأته وتجواله ومعيشته، وسمع أجدادهم فيها مواعظه العالية، ووصاياه

الإصلاحية السامية، ورأوا آياته وعجائبه الدالة على صدقه، وتكذيب أعدائه الذين

طعنوا وما زالوا يطعنون في دعوته، ويقذفون أمه العذراء الطاهرة سيدة نساء

العالمين، بما برأها الله منه على لسان رسوله محمد خاتم النبيين، وسماه بالبهتان

العظيم.

لينظر هؤلاء المسيحيون ماذا كان من حظهم من هذا الفتح المسيحي الصليبي،

الذي هو أجدر أعمال الإنكليز باسم الرياء الفريسي، وليتذكروا أن صفقتهم كانت

تكون أخسر مما هي لولا كنائس أوربة المسيحية وشعوبها المسيحية ودولها

المضطرة إلى مراعاة شعورهم، وحسبهم مما هم فيه تفضيل أعداء المسيح

الصهيونيين عليهم، وجعل وطنه وطنا لهم، ليقيموا فيه مسيحهم الذي يجدد لهم ملك

داود وسليمان المادي الذي يزعمون أن أنبياءهم بشروهم به، ويكذبون ابن مريم

الصادق الأمين الذي قال مؤيدا بروح القدس إنه هو المسيح الحق الذي بشر به

أولئك النبيون، وإن ملكه سماوي لا أرضي، روحي لا مادي؛ فإنهم كانوا وما

زالوا عبيد المادة، فإذا جاءهم ملك مادي لا يزيدهم إلا طغيانا وغلوا في عبادة المال؛

وإنما كانوا وما زالوا في أشد الحاجة إلى تلك التعاليم الإنجيلية الروحية التي

تصدهم عن هذه العبادة للمال، والطمع والأثرة على الناس، حتى بغضتهم إلى

أكثر شعوب البشر، فإن تجدد لهم ملك وهم على ما يعلم جميع الناس فإنهم لا

يكونون إلا كما قال الله عز وجل: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس

نقيرا} (النساء: 53) حتى لا يستطيع أحد أن يعيش معهم ولو فقيرا (النقير:

النكتة في ظهر نواة التمرة، وهي كناية عن الشيء الحقير) .

أيها العرب الكرام، المحتفلون بذكرى السلطان صلاح الدين العربي العدناني

كما روى ابن خلكان المؤرخ الشهير، وبذكرى معركة حطين العربية الفلسطينية،

يجب أن تبثوا في الأمة العربية كلها أن الخطر عليها من الاستعمار الأوربي في هذا

الزمان، بل في هذا العام، أكبر وأخطر مما كان قبل معركة حطين الفاصلة، وأن

ما يجب عليها لدفع هذا الخطر بالأموال والأنفس، هو أعظم وأشق مما قام به

أجدادهم في حطين، تحت لواء صلاح الدين، ففازوا بالنصر المبين.

ربما يتوهم بعضكم أنني أعني بهذه المشقة أن الأمة العربية لا تملك ما يملك

المعتدون عليها، والجادون في السعي لاستعبادها، من المدافع والدبابات والطيارات

والأساطيل، فتقاتلهم بمثل سلاحهم كما أوجب الشرع عليها، كلا إن هذا أهون

الخطرين؛ وإنما الخطر الأكبر الذي يندفع باندفاعه كل ما دونه هو قتال العرب

بالعرب، وتخريب بيوتهم بأيديهم، بما يبذله هؤلاء المستعمرون لهم من مال

يستأجرونهم به لقتل أنفسهم، وما هو إلا مما يسلبونه من بلادهم في الحال أو المآل،

وبما يستخدمون به طلاب الإمارة والوزارة وما دونهما من المناصب لخيانة أمتهم

وهدم معاقل استقلالها؛ وإنما هو ألقاب باطلة لا يخرجون بها عن كونهم خدما أذلة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٦٢