تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصاله بأن الله تعالى يطعمه ويسقيه، أي يعطيه قوة الطاعم الشارب كما قالوا.

على أن هذين الإمامين المجددين قد فعلا لأمتهما وأوطانها ما لم يفعل غاندي

لأمته ووطنه: هما اللذان نفخا فيها روح الإصلاح الديني والسياسي والأدبي فسرى

في جميع شعوبها ولكنه لما يبلغ كماله بعد، إنما ظهر غاندي في أمة فيها ألوف من

رجال التعليم العالي والتربية الصوفية المبنية على الإيمان بوحدة الوجود، وقوة

الإرادة وبذل المال والنفس فيما توجبه العقيدة، مع ثروة واسعة، وجمعيات منظمة،

فوجه إرادته إلى إكمال ما بدأ به غيره من السعي للوحدة والاستقلال.

وأما أمتهما الإسلامية فكانت عند ظهورهما معتلة منحلة، ليس فيها تربية

دينية ولا سياسية، ولا جمعيات إصلاحية، وإنما كان التعليم الديني مناقشات لفظية

في عبارات كتب هي أبعد عن العلم الصحيح من كل ما كتب سلفهم في عصر حياة

العلم، وكان أهل هذا التعليم العقيم في عزلة عن العالم لا يشعرون بشيء من أطوار

الأمم في ترقيها وتدليها، وقوة دولها وضعفها، وما تجدد لها من التربية والتعليم

والتشريع الموجب للتجديد. وكان تعليمها المدني قاصرا على فئة قليلة تعلم؛ لتكون

آلات وأدوات في معمل الحكومة.

يمتاز غاندي ويفضل جميع زعماء قومه بجمعه بين الزعامتين الدينية

والسياسية، وفي كهنتهم من الصوفية من هم أعلم منه بالدين وأشد انقطاعا للتنسك

فيه، وفي زعمائهم السياسيين من هم أعلم منه بالقوانين وسنن الاجتماع، ولكن

الجمع بين الدين والدنيا إيمانا وعلما وعملا هو الذي آتاه من القوة والتأثير في

جمهور أمته ما لم يؤت أحد من هؤلاء، ولا من أولئك، وبقدر استمساك أمته به

واتباعهم له كان تأثير نفوذه في الدولة البريطانية، فهي في كل بلاد تملكها أو

تستعمرها تحترم رجال الدين والدنيا وتستميلهم إليها بقدر نفوذهم في شعوبهم، فما

القول فيمن يجمع بين النفوذين الروحي والسياسي؟ على أنها لم تر بدا من سجنه،

ومنع قومه من لقائه.

ولقد كان كل من زعيمي الإسلام الأفغاني والمصري عالما دينيا، وصوفيا

روحانيا، وعالما بكل ما يحتاج إليه الإصلاح العام من علم الدين وفلسفة النفس

والأخلاق وسنن الاجتماع وعبر التاريخ، وكان كل منهما كاتبا بليغا، وخطيبا

مفوها، ولو وجدا في الأمة الإسلامية ما وجد غاندي من قومه الهندوس لكان ما

أحدثاه من الانقلاب تاما كاملا في شعب مستقل أتم الاستقلال، ولكان ذلك يسري

إلى سائر الشعوب الإسلامية كما كانا يريدان.

(3) اقتباس غاندي الإصلاح الذي دعا إليه الأفغاني:

فالعبرة لنا معشر المسلمين في هذا الفوز الكبير لوثني الهند أن نعلم أن

الإصلاح الذي تكون به الأمة عزيزة مستقلة لا بد أن يكون دينيا دنيويا، ونحن

أولى بهذا من الهندوس؛ لأنهم إنما أخذوه عنا، ألم تروا أن زعيمهم الأكبر

(غاندي) قد صرح أخيرا بأنه يتشبه بنبينا وبعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام،

ألم ترو لنا جرائدنا عنه في العام الماضي أنه نصح في بورسعيد لمن زاره من

طلاب العلم بمصر من إخواننا مسلمي الهند أن يتشبهوا بالخلفاء الراشدين في

سيرتهم العالية، ولا سيما تقشفهم وعدم مبالاتهم بالشدائد؟

ألم تنقل لنا قبل ذلك جرائد الهند فسورية ومصر ما أثنى به على نبينا صلى

الله عليه وسلم وعلى دين الإسلام القويم وشهد بأنه حق وأمر قومه بأن يدرسوه

باحترام ويحبوه، (وقد نشرنا ترجمة قوله في الجزء الثاني من منار السنة الماضية

المجلد 32) .

ألم تعلموا أن انقسام الهندوس إلى طبقات بعضها مقدس وبعضها رجس

وبعضها بين بين، هو من أصول دينهم، وأن الإسلام هو الذي جاء بالأخوة العامة

وبالمساواة بين جميع البشر وعدم التفاضل بينهم بالطبقات والأجناس والتقاليد، بل

بتقوى الله وهي معرفته والتقرب إليه بتزكية النفس بالعبادات والفضائل، بعد

التخلي عن الشرك والرذائل؟ وأن هذا الذي يدعو إليه غاندي الآن هو من إصلاح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٩٢