والإرشاد والإصلاح، والبر والإحسان، ولا بالجاه العريض الذي ناله بتقليده سيف
البيعة للسلطان محمد الخامس وإنعام السلطان عليه بلقب الوزارة والنشان المرصع،
فكان أول عالم مرشد معمم تحلى بها كما تقدم آنفا.
بل تمتاز هذه الصلاة على هذا الرجل العظيم بعمل له هو الذي تم به كماله،
وهو الجهاد بماله ونفسه في سبيل الله دفاعا عن دينه وقومه ووطنه، وبما آل إليه
أمره من جراء هذا الجهاد من هجرته الأولى إلى بلاد الترك، ثم من إخراجه منها
وتعذر رجوعه إلى وطنه، وتعذر إقامته في سورية ومصر، وفي كل قطر إسلامي
خاضع لنفوذ الدول الاستعمارية الثلاث المحاربة للإسلام المستذلة للمسلمين، وقد
قاتلها كلها في سبيل الله، حتى لجأ أخيرا إلى مهد الإسلام من حرم الله وحرم
رسوله صلى الله عليه وسلم، ومات بجوار جده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله،
فبهذا كله صار للصلاة عليه معنى لم يسبق لغيره من عظماء الإسلام، أذكره
لأذكر به كل مسلم يصلي عليه صلاة الغائب عقب صلاة الجمعة في ذلك اليوم
المشهود.
أعني بهذا هو أن يقصد بالصلاة مع ثواب إقامة هذه السنة القاصر على من
أقامها إحياء الشعور الإسلامي بوجوب الدفاع عن الإسلام وتأييد المجاهدين في سبيل
الله، والتكافل بين المسلمين في وجوه أعدائهم في دينهم وأقوامهم وأوطانهم، السالبين
لاستقلال الملايين منهم، حتى صار يتعذر على مثل هذا الرجل العظيم بكل ما للعظمة
من المعاني الصورية والمعنوية، الدينية والدنيوية.
يجب أن يتذكر الذين يصلون على هذا الزعيم العظيم أن الإسلام مهدد في أكثر
البلاد التي تسمى إسلامية باضطهاد من يخدمونه ويقومون بحقوقه.
وإن الذين جرأ أعداءه على هذا العدوان والاضطهاد هو غفلة المسلمين عن
أنفسهم، وجهل أكثرهم بما حل بهم، حتى طمع أعداؤهم بإخراج الملايين عن
دينهم نفسه فلم يكتفوا بسلب ملكهم.
وأذكر أئمة المساجد وخطباءها بأن يذكروا المصلين على المنابر بعد الفراغ
من الخطبة خبر هذه الصلاة ويطالبوهم بالبقاء بعد صلاة الجمعة؛ ليقيموا هذه السنة
وينالوا أجر الصلاة على هذا الزعيم المجاهد الكبير، بما يفتح الله تعالى على كل
خطيب منهم من عبارات التذكير، ثم يذكرهم المؤذن بعد الفراغ من صلاة الجمعة
بذلك لئلا ينصرفوا.
وعسى أن يكون لعلماء الأزهر الشريف أكبر مظهر في هذا يؤثر عنهم.
-----------------
<span class="footnote">
(1) يقال أرز الشيء (من باب نصر وضرب وعلم) أرزا وأروزا بمعنى تقبض وانكمش ورجع، وأرزت الحية إلى جحرها انقبضت وتراجعت إليه، وأرز الرجل إلى وطنه انقبض وكف عن التجول في الأرض راجعا إليه، والأروية بالضم وتشديد الياء الوعل أي تيس الجبل يطلق على ذكره وأنثاه.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">