السيد محمد علي السنوسي الكبير فنشر فيها العلم والدين والعمران، وأسس الزوايا
الكثيرة بنظام عمراني بديع، فكانت مدارس علم، ومساجد عبادة، ومعاقل أمن
وحماية، ومنازل ضيافة، ومحطات تجارة، وثكنات مرابطة، عمرت بها البلاد
وأمن العباد، وكثر العباد، وحسب لها الطامعون كل حساب، ولولا السنوسية لما
ذاقت إيطالية من جهاد العرب في برقة وطرابلس ما أفقدها مئات الألوف من
الأموال. وللسنوسية زوايا كثيرة في الحجاز أيضا.
ولا يجد طالب تاريخ السنوسية طلبته دانية الجني إلا في ذيول كتاب حاضر
العالم الإسلامي بقلم أمير البيان، خاتمة مؤرخي الإسلام، الأمير شكيب أرسلان.
وإنني أنبه أذهان قراء المنار في تأبين هذا السيد الزعيم المجاهد لما لعلهم لا
يجدونه في غير المنار من الصحف، وهو:
لقد كان هذا السيد الزعيم الكريم أول مصداق ظاهر للأحاديث الصحيحة
الواردة في أروز الإسلام إلى الحجاز، واعتصامه فيه من الأعداء، كما تعتصم
الوعول في شناخيب الجبال.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى
جحرها) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وقال: (إن الدين ليأرز إلى
الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من
رأس الجبل) إلخ [1] رواه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني، وقال صلى
الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين
المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر.
ولهذا المعنى أوصى النبي مرارا - آخرها قبيل وفاته - بإخراج اليهود والنصارى
من جزيرة العرب وألا يبقى فيها دينان، وهو من آيات النبوة التي لا يتمارى فيها
عاقلان.
وفحوى هذه الأحاديث أن دين الإسلام الذي خرج من مهده الحجاز وانبسط
في الأرض فاتحا مصلحا سوف يغلب على أمره ويضطهد أهله بتداعي الأمم عليهم،
حتى يضطر إلى الانقباض والأروز إلى وطنه الأصلي الخاص به وهو الحجاز،
فيعتصم فيه ويكون له معقلا وملجأ، وهذا النبأ النبوي الذي يعد من أظهر أنباء
الغيب يصدق بدين الإسلام نفسه وبرجاله وأنصاره، والسيد السنوسي من أظهرهم،
وقد ضاقت عليه مملكة الجمهورية التركية اللادينية فأخرجته بعد ما كان من مقامه
الكريم فيها، ولم يجد له ملجأ في سورية ولا في مصر فضلا عن وطنه ووطن
عشيرته وطائفته الخاص، فأرز إلى وطن دينه ومعقله من الحجاز حتى توفي في
المدينة المنورة على منورها ومشرفها وآله أفضل الصلاة والسلام.
فيجب على المسلمين كافة أن يعنوا بتقوية هذا المأرز والمركز لدينهم،
وحفظه من الأجانب الطامعين، وعدم تمكينهم مما يكيدونه له؛ لوضعه تحت
سيطرتهم البرية والبحرية من ناحية العقبة ومعان وشرق الأردن وغيرها، فوفاة
السيد السنوسي في المدينة بعد تعذر إقامته في غير الحجاز من بلاد الإسلام أكبر
عبرة للمعتبرين، تغمده الله تعالى بواسع رحمته، وجعله مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين في دار كرامته، ووفق الأمة للانتفاع بسيرته في حياته
وموتته.
* * *
صلاة الغائب
(على السيد السنوسي، وفوائدها الدينية والسياسية)
بعد صلاة الجمعة الأولى من شهر المحرم فاتحة سنة 1352 تقام صلاة
الغائب على الزعيم الإسلامي والمجاهد العظيم والمرشد الشهير السيد أحمد الشريف
السنوسي (قدس الله روحه) في جميع المساجد الجامعة في القطر المصري وسائر
الأقطار التي بلغتها الدعوة إلى هذه الصلاة من مكتب المؤتمر الإسلامي العام في
القدس الشريف.
ستكون هذه الصلاة ممتازة بمعنى لم يسبق له نظير في مثيلاتها من صلاة
الغائب التي يقيمها المسلمون في بعض الأقطار عندما يموت عظيم من عظماء
الإسلام في علمه الواسع وعمله النافع، لا باتصاف السيد السنوسي بشرف النسب
والحسب ولا باشتهاره بالصلاح والتقوى ولا بمكانته المعروفة في العلم والعمل